اقتصاد

الفنتانيل: كيف تحولت أزمة صحية أمريكية إلى ورقة ضغط في الحرب التجارية مع الصين؟

من الرسوم الجمركية إلى التهدئة.. ترامب يغير قواعد اللعبة مع بكين في ملف الفنتانيل القاتل

في خطوة مفاجئة أعادت رسم ملامح التوتر التجاري بين واشنطن وبكين، أعلن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب عن خفض الرسوم الجمركية المرتبطة بملف الفنتانيل على البضائع الصينية إلى النصف. جاء هذا القرار عقب اجتماع وصفه ترامب بـ”المذهل” مع نظيره الصيني شي جين بينغ في كوريا الجنوبية، ليضع نهاية مؤقتة لجولة تصعيدية بدأت قبل عدة أشهر.

تصعيد اقتصادي بدوافع صحية

كانت إدارة ترامب قد بدأت المواجهة بفرض رسوم جمركية بنسبة 10% على الواردات الصينية، مبررة ذلك بما وصفته بإخفاق بكين في كبح جماح صادرات الفنتانيل غير المشروعة والمواد الكيميائية المستخدمة في إنتاجه. والفنتانيل هو مادة أفيونية اصطناعية شديدة الخطورة، ورغم استخداماته الطبية، إلا أن نسخه غير المشروعة تسببت في تفاقم أزمة الوفيات بجرعات زائدة في الولايات المتحدة.

لم يتوقف التصعيد عند هذا الحد، ففي مارس، ضاعف ترامب الرسوم لتصل إلى 20%، مما دفع الصين إلى الرد بفرض رسومها الخاصة على منتجات زراعية أمريكية. استند الأمر التنفيذي لترامب إلى اتهام مباشر للحزب الشيوعي الصيني بـ”دعم وتحفيز” شركات الكيماويات لتصدير هذه المواد، وتوفير “ملاذ آمن” لشبكات غسيل الأموال المرتبطة بتجارتها.

دور الصين المتغير في الأزمة

رغم أن تقارير أمريكية، مثل تقرير لجنة المراجعة الاقتصادية والأمنية الأمريكية الصينية لعام 2021، لا تزال تشير إلى الصين باعتبارها “بلد المنشأ الرئيسي”، إلا أن طبيعة هذا الدور قد تغيرت بشكل جذري. فبحسب إدارة مكافحة المخدرات الأمريكية (DEA)، تحول المهربون الصينيون منذ عام 2019 من تصنيع المنتج النهائي إلى تصدير المواد الكيميائية الأولية إلى الكارتيلات المكسيكية، التي تتولى مهمة التصنيع النهائي والتهريب.

بين التعاون والقطيعة

شهد ملف التعاون بين البلدين تقلبات حادة. ففي عام 2018، تعهدت الصين بتشديد الرقابة، وفي 2019 أصدرت أحكامًا قاسية بحق مهربين، بينها حكم بالإعدام مع وقف التنفيذ. لكن هذا التعاون سرعان ما انهار مع تصاعد الخلافات حول تايوان وجائحة كوفيد-19، لتعلن بكين رسميًا في أغسطس 2022 تعليق كافة أشكال التعاون في مكافحة المخدرات.

إن استخدام أزمة صحية داخلية كأداة في حرب تجارية دولية يكشف عن الطبيعة العملية للسياسة الخارجية لإدارة ترامب. لم يكن الهدف هو القضاء الفوري على شبكات الفنتانيل بقدر ما كان انتزاع تنازلات ملموسة من بكين. لقد تحولت المأساة الاجتماعية الأمريكية إلى ورقة ضغط اقتصادية فعالة، أجبرت الصين على التحرك لتخفيف الضغط عن اقتصادها، وهو ما تجلى في إدراجها مؤخرًا مادتين كيميائيتين جديدتين ضمن قوائم الرقابة المشددة.

هذا التحول في الموقف الأمريكي، من العقاب إلى التهدئة، يعكس إدراكًا بأن الحلول تتطلب تعاونًا وليس مجرد عقوبات. وأعرب ترامب عن تفاؤله بأن الصين ستتخذ الآن خطوات حقيقية للحد من تدفق المواد الأولية، قائلًا: “أعتقد أنه سيعمل بجد لمنع الموت من الدخول إلينا”، في إشارة إلى التزامات جديدة من الرئيس شي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *