العلاقات السورية الروسية: الشرع يؤكد استمرارية الشراكة من موسكو

في زيارة هي الأولى له إلى موسكو، أكد الرئيس السوري أحمد الشرع التزام بلاده بجميع الاتفاقيات السابقة مع روسيا، مشيرًا إلى عمق العلاقات السورية الروسية التاريخية. من جانبه، شدد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على أن هذه العلاقات ليست مرتبطة بالوضع السياسي في سوريا، مؤكدًا استعداد موسكو لتعزيزها في مرحلة جديدة.
تكتسب هذه الزيارة أهمية خاصة كونها الأولى للشرع إلى روسيا، التي كانت الحليف الأبرز دوليًا للنظام السوري السابق الذي أطاحت به المعارضة بقيادة الشرع في ديسمبر الماضي، بعد ثورة استمرت اثني عشر عامًا. هذه الخطوة تعكس تحولًا براغماتيًا في السياسة الخارجية لكلا البلدين، وتركيزًا على المصالح المشتركة بعيدًا عن التباينات السياسية السابقة.
استمرارية الشراكة رغم التغيرات
خلال جلسة مفتوحة للإعلام في الكرملين، أوضح بوتين أن العلاقات السورية الروسية هي علاقات صداقة، ولم تكن يومًا منوطة بالحالة السياسية أو المصالح الضيقة، بل ترتبط بالمصالح المتبادلة ومصلحة الشعب السوري. وأضاف أن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين استمرت لأكثر من ثمانين عامًا، وقد أُقيمت في أصعب الأوقات بالنسبة لروسيا والاتحاد السوفيتي في عام 1944.
وأكد بوتين حرص موسكو على تطوير العلاقات مع دمشق، معلنًا استئناف عمل اللجنة الحكومية المشتركة بين روسيا وسوريا. كما أشاد بالانتخابات البرلمانية في سوريا، واصفًا إياها بـ”الناجحة”، ومعتبرًا أنها ستكون “فرصة لتوحيد المجتمع والتواصل بين جميع القوى السياسية في البلاد”، في إشارة لدعم الشرعية الجديدة.
من جانبه، أكد الشرع أن بلاده تحترم الاتفاقيات السابقة مع روسيا، مشددًا على الروابط التاريخية التي تجمع البلدين. وتابع: “نعيش في سوريا جديدة، ونحاول التعريف بها، وإعادة ربط العلاقات السياسية والاستراتيجية مع الدول الإقليمية والعالمية، وعلى رأسها ستكون روسيا الاتحادية، لأن هناك روابط تاريخية قديمة، وعلاقات ثنائية ومصالح مشتركة”.
وأشار الرئيس السوري إلى أن جزءًا كبيرًا من الغذاء في سوريا يعتمد على روسيا، وأن العديد من محطات الكهرباء تعتمد على الخبرات الروسية، مما يؤكد عمق الاعتماد الاقتصادي والفني. هذه التصريحات تعكس رغبة القيادة السورية الجديدة في الحفاظ على قنوات التعاون الحيوية مع موسكو لضمان الاستقرار والتنمية.
مصير القواعد الروسية: ملف حساس على الطاولة
ذكر الكرملين أن الرئيس بوتين سيناقش خلال اللقاء مصير القاعدتين العسكريتين الروسيتين في سوريا مع الشرع. تمتلك روسيا قاعدتين عسكريتين رئيسيتين في سوريا: قاعدة حميميم الجوية في محافظة اللاذقية، إلى جانب قاعدة بحرية في طرطوس، وهما تمثلان ركيزة الوجود الروسي في المنطقة.
صرحت المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا أن موسكو ودمشق “تناقشان الوجود الروسي في سوريا وإعادة تنظيم المنشآت العسكرية الروسية في سوريا”. وأشارت إلى أن هذه الاتصالات “تُجرى خلف أبواب مغلقة”، مما يؤكد حساسية وأهمية هذا الملف الاستراتيجي لكلا الجانبين، وضرورة التوصل لتفاهمات تضمن استمرارية المصالح الروسية.
وأضافت زاخاروفا أن “جدول أعمالنا الثنائي مع سوريا يشمل طيفًا واسعًا من قضايا التعاون الروسي السوري. كما يناقش موضوع الوجود العسكري الروسي في سوريا، بما في ذلك، في سياق إعادة تنظيم المنشآت العسكرية الروسية المحتملة”. وأوضحت أن وزارة الدفاع هي الجهة المعنية، وأن الحوار مع الجانب السوري مستمر.
من جانبها، ذكرت الرئاسة السورية أن الشرع وبوتين سيناقشان “المستجدات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك وبحث سبل تطوير التعاون بما يخدم المصالح المشتركة للبلدين”. كما سيلتقي الشرع الجالية السورية في روسيا، في خطوة تهدف لتعزيز الروابط مع المغتربين في ظل سوريا الجديدة.
جذور الوجود العسكري الروسي
يعود الوجود العسكري الروسي في سوريا إلى اتفاقية أبرمها الرئيس السوري الأسبق حافظ الأسد مع الاتحاد السوفيتي عام 1971، التي تضمنت إقامة منشآت بحرية ونقطة دعم لوجستي تابعة للبحرية الروسية في ميناء طرطوس السوري. هذه الاتفاقية أرست أسس شراكة استراتيجية طويلة الأمد.
بين عامي 2010 و2012، خضعت القاعدة الروسية في طرطوس، التي تعد جزءًا من أسطول البحر الأسود الروسي، للتحديث، مما سمح للسفن الثقيلة بالدخول إليها. وفي يونيو عام 2013، تم إنشاء تشكيل عملياتي دائم للبحرية الروسية في البحر الأبيض المتوسط، مؤكدًا الأهمية الجيواستراتيجية لهذه القاعدة.
وفي 26 أغسطس 2015، وقعت روسيا وسوريا اتفاقية غير محددة بشأن وجود مجموعة طائرات روسية في البلاد، تمركزت في مطار حميميم بمحافظة اللاذقية. أصبحت هذه القاعدة المنصة الرئيسية للعملية العسكرية الروسية في سوريا التي بدأت في 30 سبتمبر من العام ذاته، وشكلت نقطة تحول في مسار الصراع.
وفي نهاية عام 2015، تم تعزيز قاعدة حميميم بنظام دفاع جوي، وشاركت وحدات من الشرطة العسكرية في توفير الأمن. وفي عام 2017، وقعت موسكو ودمشق اتفاقيتين تحددان استخدام القواعد لمدة 49 عامًا، أي حتى عام 2066، مع خيارات للتمديد التلقائي لمدة 25 عامًا أخرى، ما يضمن الوجود العسكري الروسي طويل الأمد.
موسكو: حليف براغماتي في مرحلة جديدة
تلقى الشرع في فبراير الماضي اتصالًا هاتفيًا من نظيره الروسي، أكد خلاله بوتين دعم موسكو لوحدة الأراضي السورية وسيادتها واستقرارها. كما أبدى استعداد روسيا لإعادة النظر في الاتفاقيات التي أبرمتها مع نظام الأسد، ووجوب رفع العقوبات الاقتصادية عن سوريا، ما يبرز مرونة موسكو في التعامل مع التحولات السياسية.
كانت موسكو من أبرز الداعمين للرئيس السابق بشار الأسد الذي فر إليها بعد الإطاحة به في 8 ديسمبر الماضي. لكنها سارعت إلى الحفاظ على العلاقات السورية الروسية مع دمشق في الأسابيع التي تلت فرار الأسد، سعيًا إلى الحفاظ على قاعدتيها الرئيسيتين في المنطقة الساحلية للبلاد وتأمين مصالحها الاستراتيجية.
الشهر الماضي، أصدر قاضي التحقيق السابع في دمشق توفيق العلي مذكرة توقيف غيابية بحق الرئيس السابق بشار الأسد، في إطار التحقيقات الجارية بشأن الأحداث التي شهدتها محافظة درعا عام 2011. هذه الخطوة تعمق من الفجوة بين النظام السابق والواقع الجديد، وتؤكد التزام القيادة الجديدة بمحاسبة رموز الماضي، وهو ما يفرض على موسكو التكيف مع هذا الواقع.







