العدالة الرقمية في مصر: شراكة استراتيجية بين “قضايا الدولة” و”عين شمس” لرقمنة القضاء
من قاعات المحاكم إلى السحابة الرقمية: "قضايا الدولة" و"عين شمس" تطلقان ماجستير متخصص وتوقعان بروتوكولاً تاريخياً لتحديث المنظومة القضائية

في خطوة تعكس تسارع وتيرة التحول الرقمي في مصر، شهدت القاهرة اختتام فعاليات مبادرة “رواد العدالة الرقمية”، التي جمعت بين واحدة من أعرق الهيئات القضائية، هيئة قضايا الدولة، وجامعة عين شمس، في حفل رسمي حضره وزير الشباب والرياضة الدكتور أشرف صبحي، ورئيسا المؤسستين، ليتم الإعلان عن شراكة استراتيجية تهدف إلى بناء جيل جديد من الكوادر القانونية القادرة على مواكبة العصر.
بروتوكول يرسم ملامح المستقبل
لم يكن الحدث مجرد احتفال بتكريم الدفعة التأسيسية للمبادرة، بل كان تتويجًا لمسار جديد من خلال توقيع بروتوكول تعاون بين هيئة قضايا الدولة وجامعة عين شمس. البروتوكول، الذي وقعه المستشار الدكتور حسين مدكور رئيس الهيئة، والدكتور محمد ضياء زين العابدين رئيس الجامعة، يضع إطارًا عمليًا لدمج التكنولوجيا في صميم العمل القانوني، من خلال برامج أكاديمية وتدريبية متخصصة.
وتشمل الشراكة إطلاق برامج دراسات عليا فريدة من نوعها، أبرزها ماجستير مشترك في التحكيم والمسؤولية عن حوادث الطيران، وهو مجال يكتسب أهمية متزايدة للدولة المصرية. كما يتضمن التعاون برامج تدريبية لطلاب الحقوق حول استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في العمل القانوني، وتنظيم مؤتمرات وورش عمل مشتركة، مما يضمن نقل الخبرات العملية إلى البيئة الأكاديمية.
رؤية الدولة للرقمنة
أكد الدكتور محمد ضياء أن هذا التوجه يتماشى مع التوجيهات الرئاسية للرئيس عبد الفتاح السيسي نحو الرقمنة الشاملة، مشيرًا إلى أن البيئة القضائية ليست بمعزل عن التطورات التكنولوجية. وأوضح أن الهدف من العدالة الرقمية هو تسهيل الوصول إلى العدالة وتحقيقها بشكل ناجز عبر إتاحة رفع الدعاوى والبت فيها إلكترونيًا، مما يوفر الوقت والجهد والنفقات.
من جانبه، شدد المستشار حسين مدكور على أن التحول الرقمي لم يعد ترفًا إداريًا، بل أصبح منهج عمل أساسي لتطوير الأداء القضائي في هيئة قضايا الدولة. وأضاف أن الكادر القضائي بالهيئة يدرك أهمية هذه النقلة، وأن المبادرة ليست حدثًا عابرًا، بل نقطة انطلاق لشراكات أوسع تضمن بقاء الهيئة رائدة في حماية المال العام ومواكبة كل ما يخدم رسالة العدالة.
تحليل: ما وراء البروتوكول
إن هذا التحالف بين مؤسسة قضائية عريقة وجامعة رائدة يتجاوز كونه مجرد تعاون أكاديمي. إنه يعبر عن تحول عميق في فلسفة الدولة تجاه النظام القضائي المصري، حيث لم تعد الرقمنة مجرد أداة لتسريع الإجراءات، بل أصبحت مكونًا أساسيًا في تكوين رجل القانون نفسه. اختيار مجالات مثل الذكاء الاصطناعي والتحكيم الاستثماري وقانون الطيران يكشف عن وعي دقيق باحتياجات مصر الاقتصادية والقانونية المستقبلية، والتي تتطلب محامين وقضاة يجيدون لغة العصر الرقمي.
هذه الشراكة تبني جسرًا حيويًا بين النظرية الأكاديمية والتطبيق العملي، وتضمن أن مخرجات التعليم القانوني لن تكون معزولة عن واقع السوق ومتطلبات الدولة. فبدلًا من تخريج قانونيين تقليديين، تسعى المنظومة الجديدة إلى إعداد خبراء قادرين على التعامل مع قضايا معقدة تتداخل فيها التكنولوجيا بالقانون، وهو ما يعزز من كفاءة منظومة العدالة بأكملها ويجعلها أكثر قدرة على حماية الحقوق والمصالح في عالم متغير.
جلسات متخصصة ورؤى متنوعة
شمل اليوم الختامي جلسات نقاشية ثرية عكست أبعاد العدالة الرقمية المختلفة. تناولت الجلسات محاور هامة مثل جهود وزارة العدل في رقمنة المنظومة، ودور الوسائط الإلكترونية في التحكيم، والتحديات المتعلقة بحماية البيانات الشخصية في عصر التحول الرقمي، بالإضافة إلى آليات تمكين الكوادر القضائية، وصولًا إلى نقاش محوري حول دمج أدوات الذكاء الاصطناعي مع مبدأ سيادة القانون.
واختُتم الحفل بتكريم الدفعة التأسيسية من “رواد العدالة الرقمية”، وتسليمهم الشهادات، في إشارة رمزية إلى بدء مرحلة جديدة يقودها جيل من القانونيين الذين يجمعون بين عراقة القانون وأدوات المستقبل، كما تم تبادل الدروع التكريمية بين قيادات المؤسسات المشاركة تقديرًا لجهودهم في دعم هذا المسار الواعد.









