الصين تطلق صاروخ جرافيتي-1 وتغير قواعد سباق الفضاء

في خطوة تعكس تسارع وتيرة التنافس العالمي في الفضاء، أطلقت الصين بنجاح صاروخ جرافيتي-1، أكبر صاروخ يعمل بالوقود الصلب في العالم. هذا الإنجاز لا يمثل فقط قفزة تكنولوجية لشركة Orienspace الصينية، بل يحمل في طياته دلالات استراتيجية عميقة في ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة التي تجعل من الفضاء ساحة جديدة للصراع.
انطلق الصاروخ العملاق من منصة بحرية متحركة قبالة سواحل مدينة هايانج بمقاطعة شاندونج، في عملية دقيقة نجح خلالها بوضع ثلاثة أقمار اصطناعية في مدارها، أحدها مخصص للاستشعار البصري عن بُعد والآخران لأغراض تجريبية. ويأتي هذا الإطلاق ليؤكد على موثوقية وكفاءة الصاروخ بعد اختبار طيران ناجح أجري من نفس الموقع في يناير الماضي، حسبما أفاد كبير مصممي المشروع.
يأتي هذا التطور في وقت حاسم، حيث أصبحت شبكات الأقمار الاصطناعية جزءًا لا يتجزأ من العمليات العسكرية الحديثة، وهو ما ظهر بوضوح في الدور الذي تلعبه في دعم المجهود الحربي الأوكراني. وفي المقابل، بدأ البنتاجون خطواته الأولى لتطوير منظومات دفاع صاروخي فضائية، مما يجعل القدرة على إطلاق أقمار متعددة بسرعة وبتكلفة منخفضة ميزة استراتيجية حاسمة.
قدرات “جرافيتي-1” الاستثنائية
يتألف صاروخ جرافيتي-1 من ثلاث مراحل أساسية وأربعة معززات جانبية، وجميعها تعمل بمحركات الوقود الصلب المزودة بفوهات متحركة للتحكم الدقيق في التوجيه. يبلغ وزن الصاروخ عند الإقلاع 405 أطنان، ويولد قوة دفع هائلة تصل إلى 600 طن، مما يمنحه القدرة على حمل ما يصل إلى 6.5 أطنان من الأقمار الاصطناعية إلى مدار أرضي منخفض، أو 4.2 أطنان إلى مدار متزامن مع الشمس.
أبعاد استراتيجية وعسكرية
إن تطوير صواريخ أكثر كفاءة مثل “جرافيتي-1” يُعد محورياً في سباق الفضاء العسكري، لأنه يقلل بشكل كبير من تكلفة وزمن وضع الأصول الفضائية في المدار. هذا العامل يجعل نشر شبكات ضخمة من الأقمار الاصطناعية، سواء لأغراض الاتصالات أو التجسس أو حتى الأسلحة الفضائية مثل منظومة الدفاع التي تخطط لها قوة الفضاء الأميركية، أمراً أكثر جدوى من الناحية العملية والاقتصادية.
وقد أثارت هذه القفزة في تكنولوجيا الفضاء الصينية قلقاً متزايداً في الدوائر الغربية، التي تراقب عن كثب تطور قدرات بكين في خوض حروب الفضاء، بما في ذلك تطوير أقمار اصطناعية قادرة على المناورة وتنفيذ هجمات ضد أقمار الخصوم. القدرة على إطلاق بدائل سريعة للأقمار المدمرة في أي صراع مستقبلي هي ميزة لا يمكن الاستهانة بها.
وفي هذا السياق، أكد بينج هاومين، الشريك المؤسس لشركة Orienspace، أن البنية التحتية المتطورة في ميناء هايانج الفضائي، إلى جانب تصميم الصاروخ الذي يعتمد كلياً على الوقود الصلب، تتيح إمكانية تجميع واختبار وإطلاق الصاروخ في غضون 24 ساعة فقط في حالات الطوارئ، وهي ميزة استجابة سريعة لا تتوفر في الصواريخ التي تعمل بالوقود السائل.
تأسست شركة Orienspace عام 2020 على أيدي خبراء من مؤسسات فضاء حكومية، وعمل العديد من مهندسيها سابقاً في برامج صواريخ Long March الشهيرة. ويعكس هذا النموذج من التعاون الوثيق بين القطاعين العام والخاص سر التفوق الصيني في الصناعات الاستراتيجية، حيث يتم تسخير مرونة القطاع الخاص وخبرة الدولة لتحقيق أهداف وطنية كبرى في سباق الفضاء.









