
في خطوة تعكس طموحاً اقتصادياً متنامياً، تعهّد البنك المركزي الصيني بتعزيز التمويل باليوان للكيانات الأجنبية، في رهانه على انخفاض تكاليف الاقتراض وارتفاع الطلب الدولي كمحركين رئيسيين لتوسيع نفوذ العملة الصينية عالمياً. إنها استراتيجية جريئة، قد تعيد تشكيل جزء من المشهد المالي الدولي.
وأوضح بنك الشعب الصيني، في تقريره السنوي الصادر نهاية أكتوبر، أن ترسيخ دور اليوان كعملة تمويل يعد محوراً أساسياً في مسار عولمة العملة. وتعهدت بكين بدعم استخدام أدوات تمويل متنوعة، تشمل القروض باليوان، وسندات “الباندا” المحلية، والسندات الخارجية المقوّمة باليوان، وتمويل التجارة، لتسهيل وصول المؤسسات والشركات الأجنبية إلى العملة الصينية.
جاذبية اليوان
يعكس التقرير إصرار بكين على تعزيز مكانة اليوان ضمن النظام النقدي العالمي، واستعدادها لضخ سيولة أكبر من العملة في الأسواق الخارجية. هذا المسعى، رغم القيود الصارمة على حركة رؤوس الأموال، يهدف لتوفير اليوان للمستخدمين حول العالم، وهو ما يراه البعض تحدياً لوضع الدولار المهيمن.
وباتت تكاليف الاقتراض المنخفضة لليوان ورقة جذب قوية، خاصة في ظل السياسة النقدية التيسيرية نسبياً والضغوط الانكماشية التي دفعت عوائد السندات الصينية إلى مستويات أدنى بكثير من نظيرتها على سندات الخزانة الأميركية. هذا الفارق في العوائد يجعل الاقتراض باليوان خياراً مغرياً للعديد من الكيانات.
رهان بكين
في هذا السياق، ترى شياوجيا تشي، كبيرة الاقتصاديين لدى “كريدي أغريكول سي آي بي” في هونغ كونغ، أن هذه الخطوة “تأتي في إطار خطة الصين لتوسيع استخدام الرنمينبي لأغراض متعددة”. وتضيف: “مع انخفاض العوائد في الصين، قد يصبح الرنمينبي أكثر جاذبية كعملة تمويل. ويمكن لبكين تعزيز تطوير سوق سندات الباندا والسندات المقوّمة باليوان، ما يسهم في توسيع قاعدة السيولة الخارجية للعملة الصينية”. هذا التحليل يوضح الرؤية الاستراتيجية وراء الدفع الصيني.
وقد أحرزت الصين بالفعل تقدّماً ملموساً في مسار تدويل عملتها خلال السنوات الأخيرة. ففي سبتمبر، احتلّ اليوان المرتبة الثانية بين العملات الأكثر استخداماً في أسواق تمويل التجارة، بعدما استحوذ على 7.3% من إجمالي التعاملات، بحسب بيانات صادرة عن شبكة “سويفت” العالمية للاتصالات المالية. هذا الرقم، وإن كان بعيداً عن الدولار، إلا أنه يعكس نمواً لافتاً.
أرقام وتوسع
تسعى بكين منذ سنوات إلى توسيع استخدام اليوان في المعاملات العابرة للحدود، في إطار جهودها لتحصين اقتصادها من المخاطر الجيوسياسية وتعزيز أمانها المالي. ورغم هيمنة الدولار على التعاملات العالمية، أبدت الصين خلال العام الجاري مزيداً من الجرأة في مبادراتها المتعلقة باليوان، مستفيدة من تنامي المخاوف بشأن العملة الأميركية بعد أن أربكت السياسات المتقلبة في واشنطن الأسواق المالية، وهو ما يمنح اليوان فرصة ذهبية.
وكشف “بنك الشعب الصيني” في تقريره أن عدداً من البنوك المركزية، منها في هونغ كونغ وتركيا وكوريا الجنوبية، تستخدم بانتظام خطوط مبادلة العملات الثنائية للحصول على اليوان لدعم تمويل التجارة. كما أسهم النمو السريع في إصدارات سندات “الباندا” و”الديم سام” في توفير تمويل باليوان للجهات الأجنبية بقيمة تجاوزت 1.4 تريليون يوان (نحو 197 مليار دولار) خلال العام الماضي. وبلغ إجمالي القروض المصرفية التجارية المقوّمة باليوان للمقترضين خارج الصين تريليوني يوان بنهاية 2024، بزيادة 14% على أساس سنوي، أرقام تعكس زخماً حقيقياً.
اليوان بالأسواق الناشئة
لم يقتصر الأمر على الكيانات الكبرى، فقد لجأ عدد من المقترضين في الأسواق الناشئة، مثل المجر وكازاخستان وكينيا، إلى اليوان لتمويل مشاريع إنشائية أو لتلبية احتياجات تمويلية عبر الديون. وفي خطوة تعكس تنامي الطلب على العملة الصينية، تعتزم شركة المدفوعات البريطانية “إيبري” تعزيز كوادرها في مكاتب الصين لمواكبة الزيادة في التسويات باليوان المرتبطة بأنشطة الشركات الصينية، ما يؤكد التحول العملي في التعاملات اليومية.
وأوضح بنك الشعب الصيني أن ارتفاع وتيرة الاقتراض باليوان خارجياً ينسجم مع التوسع العالمي للشركات الصينية في سلاسل الإمداد الصناعية. ويتوقع أن يسهم التمويل باليوان في ترسيخ استخدام العملة الصينية في التجارة والاستثمار، مما يخلق حلقة إيجابية تعزز من مكانة اليوان تدريجياً.
خاتمة تحليلية
إن تعهد البنك المركزي الصيني بتعزيز تمويل اليوان للكيانات الأجنبية ليس مجرد قرار اقتصادي، بل هو جزء من رؤية استراتيجية أوسع لتقليل الاعتماد على الدولار وتعزيز نظام مالي عالمي متعدد الأقطاب. وبينما لا يزال الطريق طويلاً أمام اليوان لمنافسة هيمنة الدولار، فإن هذه الخطوات المتسارعة، المدعومة بجاذبية تكاليف الاقتراض المنخفضة، تشير إلى أن بكين عازمة على رسم مسار جديد لعملتها في المشهد المالي العالمي، وهو ما يستدعي متابعة دقيقة لتأثيراته المحتملة على الاقتصادات الإقليمية والدولية.







