السيارات الهجينة: حل وسيط يثير الجدل في سباق التحول الأخضر
تزايد الإقبال على المركبات الهجينة يثير تساؤلات حول فعاليتها البيئية ودورها في خفض الانبعاثات.

يواجه التحول العالمي نحو المركبات الخالية من الانبعاثات تأخيراً ملحوظاً، مما يزيد من تعقيد مساعي خفض انبعاثات الكربون في قطاع النقل البري والتخفيف من التلوث في المدن. وفي هذا السياق، تتجه صناعة السيارات نحو تقديم حل وسيط يتمثل في المركبات الهجينة، التي تجمع بين محرك احتراق داخلي تقليدي وبطاريات ومحركات كهربائية.
وقد حظي هذا التوجه بقبول من الاتحاد الأوروبي، الذي تراجع في ديسمبر الماضي عن حظر شبه كامل كان مزمعاً فرضه بحلول عام 2035 على سيارات محركات الاحتراق. وبدلاً من ذلك، منح الاتحاد السيارات الهجينة دوراً محورياً ضمن استراتيجيته الرامية لتحقيق صافي انبعاثات كربونية صفرية بحلول عام 2050.
تشهد المركبات الهجينة إقبالاً متزايداً من المستهلكين الساعين لتقليل بصمتهم الكربونية وتكاليف التشغيل، دون الحاجة للتحول الكامل إلى السيارات الكهربائية التي غالباً ما تكون أعلى سعراً بسبب حجم بطارياتها الكبير. لكن الفوائد البيئية لهذه الفئة من السيارات لا تزال تثير الجدل، نظراً للاختلاف الملحوظ في مستويات انبعاثاتها بين نتائج الاختبارات المعملية والواقع الفعلي على الطرق.
ما هي السيارة الهجينة؟
تُعرف السيارة الهجينة بأنها مركبة تجمع بين محرك احتراق داخلي ومحرك كهربائي واحد أو أكثر، يعملان معاً بشكل متزامن. يساهم هذا الدمج في تحسين كفاءة استهلاك الوقود وزيادة المسافة المقطوعة، بالإضافة إلى تعزيز التسارع. وبفضل صغر حجم المحرك التقليدي وتشغيله بوتيرة أقل، تنتج السيارات الهجينة انبعاثات عادم أقل مقارنة بالمركبات التقليدية التي تعمل بالبنزين أو الديزل.
ارتفاع أسعار المركبات الكهربائية يدفع المستهلكين نحو الخيارات الهجينة.
تعود جذور فكرة السيارات ذات الطاقة المختلطة إلى بدايات القرن العشرين، لكن انتشارها الواسع لم يتحقق إلا في أواخر التسعينيات مع إطلاق شركة “تويوتا موتور” اليابانية لسيارتها “بريوس”. هذه المركبة، التي كانت أول سيارة هجينة تُنتج بكميات كبيرة عالمياً، لعبت دوراً محورياً في ترسيخ مفهوم القيادة الكهربائية قبل فترة طويلة من تطور شبكات الشحن.
ما هي أنواع السيارات الهجينة؟
تعتمد غالبية السيارات الهجينة، ومنها طراز “بريوس” الشهير، على أنظمة نقل حركة متطورة تمزج بين الطاقة المولدة من محرك الاحتراق الداخلي والمحركات الكهربائية. يتم شحن بطاريات هذه السيارات جزئياً بواسطة المحرك، بالإضافة إلى استخلاص الطاقة الحركية أثناء عملية الكبح، وهي طاقة كانت ستُهدر عند تباطؤ المركبة. وتتميز السيارات الهجينة القابلة للشحن (Plug-in Hybrids) بميزة إضافية، حيث تتيح للسائقين إمكانية شحن بطارياتها مباشرة من مقبس كهربائي.
تُفضل السيارات الهجينة الاعتماد على محركاتها الكهربائية خلال القيادة داخل المدن، خاصة في الرحلات التي تتسم بالتوقفات المتكررة والتسارع لمسافات قصيرة. في المقابل، يزداد اعتمادها على محرك البنزين عند السير بسرعات عالية على الطرق السريعة.

وهناك نوع آخر يُعرف بالسيارة الكهربائية ذات المدى الممتد، حيث يتولى المحرك الكهربائي مهمة تشغيل العجلات بشكل أساسي، بينما يعمل محرك البنزين كمولد كهربائي حصرياً للحفاظ على شحن البطارية. هذا التصميم، الذي طُبق في طرازات هجينة مبكرة مثل “شيفروليه فولت” قبل أكثر من عقد، شهد تجديداً وتطويراً من قبل شركات صناعة السيارات الصينية، التي أنتجت مركبات بمدى أطول بكثير ومولدات ذات كفاءة أعلى.
لماذا تزداد شعبية السيارات الهجينة؟
على مدار العقد الماضي، أدى التوسع السريع في سوق السيارات الكهربائية بالكامل إلى اعتقاد سائد بأن دور المركبات الهجينة سيكون محدوداً في مسيرة التحول نحو وسائل نقل أكثر نظافة. وقد سيطرت شركات تصنيع السيارات الكهربائية المتخصصة، وفي مقدمتها “تسلا” بقيادة إيلون ماسك، على المشهد مع تسارع وتيرة مبيعات السيارات الكهربائية.
ومع حلول عام 2023 تقريباً، بات لزاماً على السيارات الكهربائية جذب شريحة أوسع من المشترين المهتمين بالتكلفة في الأسواق الغربية للحفاظ على نموها المتسارع. لكنها واجهت تحدياً رئيسياً، إذ تبين أنها باهظة الثمن بالنسبة لعدد كبير من السائقين.
بالإضافة إلى ذلك، تعاني معظم السيارات الكهربائية من مدى قيادة أقل مقارنة بالمركبات التقليدية التي تعمل بالبنزين، فضلاً عن النقص الحاد في البنية التحتية لنقاط الشحن المتاحة في غالبية مناطق العالم. كما أن مخاوف بعض المشترين بشأن العمر الافتراضي المحدود لبطاريات السيارات الكهربائية ساهمت في ترددهم.
نتيجة لذلك، يتجه عدد متزايد من السائقين نحو السيارات الهجينة، معتبرين إياها حلاً اقتصادياً يتيح لهم تحقيق خفض ملموس في الانبعاثات، دون الحاجة إلى تغيير جذري في عاداتهم المتعلقة بالتزود بالوقود أو البحث عن محطات شحن خاصة.
السيارات الهجينة تكتسب رواجاً متزايداً حتى في أكبر أسواق المركبات الكهربائية.
في سياق متصل، قامت العديد من الحكومات بتقليص الحوافز واللوائح التي كانت تهدف إلى دعم انتشار السيارات الكهربائية. ونتيجة لهذه التغيرات في السياسات وتراجع الطلب على طرازاتها الكهربائية الأولى، خفضت شركات صناعة السيارات الغربية، مثل “فورد” و”فولكس واجن”، استثماراتها في هذا القطاع، وباتت تركز إنفاقها بشكل أكبر على تطوير السيارات الهجينة.
على النقيض، وجدت الشركات الآسيوية، مثل “تويوتا” و”هوندا”، التي لم تتخل عن تطوير السيارات الهجينة، نفسها في موقع متوافق بشكل متزايد مع التحولات في تفضيلات المستهلكين. وفي أوروبا، شهدت المركبات الهجينة انتشاراً سريعاً في الأسواق الجنوبية، حيث لا تزال السيارات الكهربائية مرتفعة الثمن، وتفتقر البنية التحتية للشحن العام إلى الانتظام.

هل السيارات الهجينة خيار صديق للبيئة حقاً؟
لطالما صُنفت السيارات الهجينة كخطوة جوهرية نحو تحقيق الحياد الكربوني، لكن بريقها البيئي بدأ يخفت مع ازدهار مبيعات السيارات الكهربائية بالكامل في بداية العقد الجديد. فما كان يُنظر إليه سابقاً كتقنية انتقالية قيمة، أصبح يُعتبر على نحو متزايد حلاً مؤقتاً للعلامات التجارية التقليدية التي تتردد أو تجد صعوبة في التحول الكلي نحو المركبات الكهربائية.
تعرضت شركة “تويوتا”، التي تُعد رائدة في تقنيات السيارات الهجينة، لانتقادات حادة بسبب إصرارها على هذه الفئة ومقاومتها للتحول الكامل نحو السيارات الكهربائية. وتدافع الشركة اليابانية عن موقفها بالقول إن العالم يفتقر إلى الموارد الكافية لتحقيق تحول شامل وسريع نحو المركبات الكهربائية بالوتيرة التي يطمح إليها صانعو السياسات. وتؤكد “تويوتا” أن اعتماد “مقاربة متعددة المسارات”، تشمل السيارات الهجينة، ومركبات خلايا وقود الهيدروجين، والسيارات الكهربائية بالكامل، سيساهم في خفض الانبعاثات بوتيرة أسرع في المرحلة الراهنة.
“تويوتا” تكشف عن سيارة كهربائية خارقة تثير الدهشة.
لكن نشطاء حماية المناخ يشككون في هذا الطرح، مشيرين إلى أن السيارات الهجينة التي تعمل بالبنزين والكهرباء ليست صديقة للبيئة بالقدر الذي تزعمه الشركات المصنعة. ويرجع ذلك إلى عدم وضوح مدى تكرار أو مدة استخدام المركبة الهجينة للطاقة الكهربائية مقارنة بالبنزين. وتثير السيارات الهجينة القابلة للشحن (Plug-in Hybrids) قلقاً خاصاً، حيث أظهرت دراسات أن العديد من السائقين نادراً ما يقومون بشحنها، مما يعني أن هذه السيارات تعمل في معظم الأحيان كمركبات تقليدية، مع حمل بطاريات ثقيلة غير مستخدمة.
وفي هذا الصدد، أفادت مجموعة “النقل والبيئة” المتخصصة بأن بيانات مستقاة من آلاف السيارات كشفت أن السيارات الهجينة القابلة للشحن تُصدر في المتوسط 19% أقل من ثاني أكسيد الكربون لكل كيلومتر، مقارنة بسيارات البنزين والديزل. إلا أن المجموعة ذاتها تؤكد أن الانبعاثات الفعلية لثاني أكسيد الكربون من هذه السيارات تُقدر بنحو خمسة أضعاف ما تشير إليه الاختبارات الرسمية.
كيف دفعت الشركات الصينية “تسلا” لخفض أسعارها؟
من جانبها، أشارت “بلومبرغ إن إي إف” إلى أن نظام اختبار انبعاثات المركبات في الاتحاد الأوروبي يخضع حالياً للتحديث. ومن المتوقع أن تكون نتائج هذا التحديث حاسمة في تحديد عدد السيارات الهجينة التي سيُسمح لشركات تصنيع السيارات ببيعها داخل الاتحاد، إذ ستعتمد الحصص المتاحة على متوسط انبعاثات السيارات الهجينة القابلة للشحن.
لماذا لا تُشحن السيارات الهجينة القابلة للشحن بانتظام؟
غالباً ما تعود الأسباب إلى عوامل عملية بحتة. ففي أوروبا، حيث تشكل السيارات المملوكة للشركات نسبة كبيرة من المركبات الهجينة القابلة للشحن، عادة ما يتكفل أصحاب العمل بتكاليف وقود السيارة، بينما يتحمل الموظف عادة تكلفة الكهرباء اللازمة للشحن المنزلي. هذا التباين يخلق نقصاً في الحافز المالي لدى العديد من السائقين للشحن المنتظم.
علاوة على ذلك، يواجه العديد من سكان المدن صعوبة في شحن سياراتهم في المنزل. وقد أدت الارتفاعات الكبيرة في فواتير الكهرباء المنزلية ببعض الأسواق إلى جعل عملية الشحن الكهربائي أحياناً أكثر تكلفة من التزود بالبنزين في محطات الوقود التقليدية.









