الذكاء الاصطناعي.. الفصل الأخير في عمر الموجة الرقمية لا بدايتها
الذكاء الاصطناعي كأداة لتحسين الأنظمة القديمة لا كبداية لثورة مستقلة

الاستثمارات الضخمة التي تتدفق حالياً في قطاع الذكاء الاصطناعي قد لا تكون فجر ثورة تكنولوجية جديدة، بل مجرد المشهد الختامي للموجة الرقمية التي انطلقت في السبعينيات. هذه الفرضية، التي يتبناها المحلل نيكولاس كولين، تضع الذكاء الاصطناعي في خانة ‘استثمارات نهاية الدورة’، حيث يتم استهلاك رؤوس أموال هائلة لترسيخ بنية تحتية موجودة بالفعل، بدلاً من ابتكار مسار مستقل تماماً.
المؤشرات الميدانية تدعم هذا التوجه؛ فالاختراق الذي حققه ‘ChatGPT’ لم يخرج من مرآب صغير لشركة ناشئة، بل جاء مدعوماً بقدرات حوسبة هائلة من مايكروسوفت، وهو نمط يتكرر مع جوجل وميتا وأمازون. الشركات الكبرى تضخ المليارات لمواجهة مشكلات مفهومة سلفاً، وهو ما يتطابق مع نموذج ‘الانتشار المتأخر’ في دورات التكنولوجيا التاريخية.
الأسواق الرقمية وصلت إلى نقطة التشبع. التحول الرقمي شمل تقريباً كل القطاعات التي يمكن للحوسبة والشبكات العمل فيها، وما تبقى الآن—مثل الرعاية الصحية والتعليم والبناء—يمثل الحدود الطبيعية للنموذج الحالي وليس أسواقاً بكر تنتظر الاكتشاف. الذكاء الاصطناعي هنا يعمل كأداة لتحسين النظام القائم، تماماً كما فعلت برامج بناء الطرق السريعة في السبعينيات لتعزيز عصر السيارات والنفط الذي كان يلفظ أنفاسه الأخيرة كموجة ابتكار.
هناك مقاومة اجتماعية واضحة تظهر في كراهية المستخدمين لإقحام أدوات الذكاء الاصطناعي في نتائج البحث، والاحتجاجات المتزايدة ضد مراكز البيانات. العوائد المالية في هذه المرحلة تميل لأن تكون ‘طبيعية’ وليست قفزات نمو هائلة كما في البدايات. التكنولوجيا لم تعد مثيرة للمستخدمين بقدر ما أصبحت مفروضة عليهم، وهو ما يفسر صعوبة إيقاف بعض الميزات في منصات مثل جوجل.
الصين تدير المشهد بعقلية مختلفة تماماً عن النموذج الأمريكي ‘الأيديولوجي’. بينما يركز الغرب على مفاهيم فلسفية حول الذكاء العام، تتبنى بكين نموذجاً ‘نحيفاً’ وعملياً يستهدف الصناعة والخدمات اللوجستية. القيود على قدرات الحوسبة دفعت الصين لبناء نماذج أقل استهلاكاً للطاقة وأكثر قابلية للتصدير، مما يجعلها أكثر ملائمة للحظة الراهنة التي تبحث عن الكفاءة لا عن المعجزات.











