الحكومة المصرية ترسم ملامح جديدة لتنظيم التجارة الإلكترونية.. دمج ورقابة لتعزيز الاقتصاد الرسمي
خطة متكاملة بين "المالية" و"الجمارك" لإنهاء فوضى الأسواق الرقمية وتيسير الإجراءات على الشركات الملتزمة.

في خطوة استراتيجية تهدف إلى ضبط إيقاع أحد أسرع القطاعات نموًا، كشفت وزارة المالية عن ملامح خطة متكاملة لـتنظيم التجارة الإلكترونية ودمجها بشكل كامل في الاقتصاد الرسمي. جاء ذلك خلال حوار مفتوح جمع مسؤولي الوزارة ومصلحتي الضرائب والجمارك مع ممثلي المجتمع التجاري وشركات الشحن، لرسم خارطة طريق واضحة لهذا القطاع الحيوي.
تكامل ضريبي وجمركي لضبط السوق
أوضح شريف الكيلاني، نائب وزير المالية للسياسات الضريبية، أن الهدف الأساسي هو تعميق اليقين الضريبي والجمركي وتيسير انضمام رواد الأعمال والشركات الناشئة في هذا المجال إلى المنظومة الرسمية. وأكد أن تحقيق هذا الهدف يتطلب تكاملًا بين وحدتي التجارة الإلكترونية بالضرائب والجمارك، لضمان تعزيز الحوكمة وخلق بيئة تنافسية عادلة بين جميع الأطراف العاملة في السوق.
هذا التوجه نحو التكامل يهدف إلى بناء جسور من الثقة مع مجتمع الأعمال، ويقر بأن الأسواق الرقمية لم تعد مجرد مساحة للبيع والشراء، بل أصبحت “نافذة” عالمية قادرة على زيادة حجم التبادل التجاري بوتيرة غير مسبوقة، مما يستدعي وجود إطار تنظيمي واضح وداعم.
تحديات عالمية وحلول محلية
من جانبه، أشار أحمد أموي، رئيس مصلحة الجمارك المصرية، إلى أن تحديات تنظيم التجارة الإلكترونية ليست محلية فقط، بل هي قضية عالمية تثير تساؤلات حول كيفية تنظيم تبادل السلع عبر الحدود بكفاءة. وأكد أن المصلحة تكثف تعاونها مع قطاع الشحن الجوي والشركات اللوجستية لوضع قواعد حاكمة تضمن انسيابية الحركة التجارية.
وشدد “أموي” على أن الشراكة مع القطاع الخاص ليست خيارًا، بل ضرورة للخروج بتوصيات عملية ومقترحات تطويرية فعالة. ويجري العمل حاليًا على تطوير البيئة التشريعية لجعلها أكثر مرونة وقدرة على استيعاب المستجدات المتسارعة في عالم التجارة الرقمية، بما يحمي الاقتصاد الوطني والمستهلكين في آن واحد.
التحول الرقمي كأداة للتيسير
يعتمد هذا التوجه الحكومي بشكل كبير على أدوات التحول الرقمي، وعلى رأسها منصة «نافذة». وأكد سامي رمضان، نائب رئيس مصلحة الجمارك، أن المنصة تُستخدم كنقطة ارتكاز لربط الإجراءات المحلية بمنصات التجارة العالمية، بهدف الحصول على بيانات مسبقة عن الشحنات، وهو ما يقلل بشكل كبير من زمن الإفراج الجمركي ويعزز من كفاءة منظومة إدارة المخاطر.
وتسعى وحدة التجارة الإلكترونية بالجمارك، بقيادة الدكتورة أمل الجابري، إلى بناء بيئة جمركية رقمية متكاملة تتسم بالشفافية والكفاءة. الهدف هو أن تكون الإجراءات أسرع وأكثر دقة، بما يدعم “اقتصاد التصدير” ويُمكّن المستثمرين من الاستفادة الكاملة من الفرص التي تتيحها الرقمنة، سواء كانوا مصدرين أو مستوردين.
تحليل: ما وراء خطة التنظيم؟
إن التحرك الحكومي لـتنظيم التجارة الإلكترونية ليس مجرد إجراء فني، بل يعكس تحولًا في رؤية الدولة لطبيعة الاقتصاد الرقمي الذي نما لسنوات طويلة في مساحة تنظيمية رمادية. فمع تزايد حجم هذا القطاع، أصبح تجاهل إدراجه ضمن الاقتصاد الرسمي يمثل هدرًا للإيرادات الضريبية من جهة، ويخلق منافسة غير عادلة تضر بالشركات الملتزمة من جهة أخرى.
الاستراتيجية المطروحة تحمل هدفًا مزدوجًا: الرقابة والتيسير. فالدولة تسعى لفرض حوكمة تضمن حقوقها وحقوق المستهلكين، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن الإفراط في التعقيد سيدفع المتعاملين للبحث عن قنوات غير رسمية. لذلك، يأتي التركيز على التحول الرقمي وتبسيط الإجراءات كحافز للشركات للانضمام طواعية للمنظومة الرسمية، والاستفادة من مزاياها مثل سرعة الإفراج الجمركي ووضوح المعاملات.
في السياق الأوسع، تندرج هذه الخطة ضمن رؤية أشمل للدولة المصرية نحو التحول الرقمي ودمج الاقتصاد غير الرسمي. فنجاح هذه المنظومة لن يعزز الإيرادات العامة فحسب، بل سيساهم أيضًا في توفير بيانات دقيقة عن حجم السوق، مما يساعد في رسم سياسات اقتصادية مستقبلية أكثر واقعية وفعالية لدعم هذا القطاع الواعد.
ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات عملية، كما استعرض محمد محمود، نائب رئيس وحدة التجارة الإلكترونية، أبرزها التعامل مع الزيادة الهائلة في حجم الشحنات الفردية. ويتطلب التغلب على هذه العقبة حلولًا تقنية مبتكرة وتعاونًا وثيقًا بين الجهات الحكومية وشركات الشحن لضمان نجاح المنظومة الجديدة.







