الجوع قادم.. أمريكا تتراجع وروسيا ترتبك والبرازيل تتأزم ومصر تتحرك لحماية أمنها الغذائي

تقرير: إبراهيم جمال
بينما ينشغل العالم بأزمات السياسة وارتفاع أسعار الطاقة، تقترب أزمة الغذاء من الانفجار، وتهدد حياة الملايين في مناطق مختلفة حول العالم. من أمريكا اللاتينية إلى إفريقيا وآسيا وأوروبا، تتوالى التحذيرات من نقص في المحاصيل، وتراجع في الصادرات، وارتفاع كبير في أسعار الأسمدة والأعلاف، وهو ما يُقلق الحكومات والمزارعين والمستهلكين على حد سواء.
وفي قلب هذه الأزمة، يبرز عامل خطير يُفاقم الأوضاع عامًا بعد عام، وهو “تغير المناخ” فالتقلبات المناخية أصبحت أكثر حدة، من جفاف شديد يضرب مساحات واسعة في إفريقيا، إلى أمطار غير متوقعة تُغرق المحاصيل في أمريكا الجنوبية وآسيا، مرورًا بموجات حرارة وجليد تقضي على محاصيل بالكامل. كل هذه الظواهر تؤثر على الإنتاج الزراعي، وتزيد من صعوبة التنبؤ بمواسم الحصاد، ما يجعل سوق الغذاء أكثر اضطرابًا.
وفي وسط هذه الأزمات، كانت مصر واحدة من الدول القليلة التي اتخذت خطوات واضحة ومبكرة لحماية أمنها الغذائي. الدولة دعمت المزارعين، وشجعت على زراعة القمح، ووسعت الرقعة الزراعية من خلال مشروعات قومية ضخمة مثل مشروع “مستقبل مصر”، وبدأت في تقليل الاعتماد على الاستيراد، لضمان توفير الغذاء من مصادر محلية.
هذا التقرير يستعرض أبرز ما جرى في ملف الزراعة عالميًا خلال الأسبوع الماضي، ويرصد كيف تتحرك مصر لحماية استقرارها الغذائي وسط موجة مخاوف عالمية علي مستقبل الغذاء.
أزمة الذرة تبدأ من أمريكا وتشتعل في البرازيل
فرضت الإدارة الأمريكية رسومًا جمركية بنسبة 50% على واردات الذرة القادمة من البرازيل. القرار الذي سيدخل حيز التنفيذ في أغسطس، أثار قلقا واسعا في أسواق الأعلاف والحبوب، وتسبب في تراجع شحنات الذرة البرازيلية إلى الخارج.
مزارعو البرازيل عبروا عن استيائهم، معتبرين أن هذه الخطوة تضر بالمنتج المحلي وبفرص التصدير.
كما حذر خبراء من أن هذه الرسوم قد تؤدي إلى ارتفاع جديد في أسعار الأعلاف، خاصة في الدول التي تعتمد على استيراد الذرة من أمريكا الجنوبية، وعلى رأسها دول الشرق الأوسط.
إفريقيا بين الجفاف وتقليص المساعدات
في إفريقيا، كشفت تقارير مشتركة من منظمة الأغذية والزراعة وبرنامج الغذاء العالمي أن أكثر من 90 مليون شخص في شرق وجنوب القارة يواجهون خطر الجوع بسبب الجفاف المستمر.
أما في غرب إفريقيا، فقد أعلن برنامج الغذاء العالمي تقليص مساعداته الغذائية لعدة دول، من بينها نيجيريا ومالي، بسبب نقص التمويل، مما يزيد من معاناة شعوب هذه الدول التي تعيش أصلا ظروفا صعبة.
أسعار الأسمدة تواصل الضغط على المزارعين
رغم الأزمات العالمية، لا تزال أسعار الأسمدة مرتفعة في الأسواق العالمية، ما يؤثر بشكل كبير على تكلفة الزراعة، خاصة في الدول النامية.
تقرير صادر عن مصرف “رابوبنك” الهولندي أشار إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة والقيود التجارية تسببا في بقاء أسعار الأسمدة عند مستويات عالية، مما أضعف قدرة المزارعين على الإنتاج.
كما فرض الاتحاد الأوروبي رسومًا جديدة على واردات الأسمدة الروسية، مما قد يؤدي إلى زيادة التكاليف الزراعية في أوروبا، ويؤثر على استقرار الإنتاج الغذائي في القارة.
تراجع صادرات القمح الروسي يربك الأسواق
ذكرت تقارير رسمية روسية أن صادرات القمح من روسيا سجلت أدنى مستوياتها منذ عام 2008، بسبب تأخر موسم الحصاد وتراجع الأسعار عالميًا، ما أدى إلى تكدس الشحنات في الموانئ.
وألغت الحكومة الروسية ضريبة التصدير بالكامل، بهدف تشجيع المنتجين على إعادة ضخ القمح في الأسواق العالمية.
مبيدات مهربة تهدد الزراعة الأوروبية
في أوروبا، ظهرت أزمة جديدة تتعلق بانتشار مبيدات زراعية مهربة ومحظورة. ووفقًا لتقارير رسمية، فإن أكثر من 14% من المبيدات المتداولة في بعض الأسواق الأوروبية، خاصة في اليونان، غير قانونية.
ويرجع ذلك إلى ارتفاع أسعار المبيدات الأصلية، وضعف الرقابة، ما دفع بعض الفلاحين لاستخدام مواد مهربة رخيصة الثمن.
هذه الظاهرة تهدد ليس فقط المحاصيل، ولكن أيضًا صحة المستهلكين والعاملين في الزراعة، في ظل تحذيرات من فقدان الثقة في جودة المنتجات الزراعية الأوروبية.

مصر تتحرك مبكرًا لحماية أمنها الغذائي
في الوقت الذي تواجه فيه الدول الكبرى أزمات في الزراعة والغذاء، أظهرت مصر قدرة لافتة على التحرك المبكر، عبر خطة وطنية شاملة لتقوية قطاع الزراعة وتحقيق الاكتفاء الذاتي.
الرئيس عبد الفتاح السيسي وجه الحكومة بشراء القمح من المزارعين بأسعار مشجعة، وخصصت الدولة 44 مليار جنيه لدعم هذا الملف، بهدف تقليل فجوة الاستيراد وزيادة الاعتماد على القمح المحلي.
كما تم إطلاق المرحلة الأحدث من مشروع “مستقبل مصر” لاستصلاح 800 ألف فدان جديدة بحلول نهاية 2025، بهدف زيادة الرقعة الزراعية وتحقيق أمن غذائي حقيقي.
جهود الدولة شملت أيضا التوسع في مشروعات الري الحديث، ومعالجة مياه الصرف الزراعي، ودعم الزراعة التعاقدية، إلى جانب تشجيع استخدام البذور عالية الإنتاج.
أما على مستوى التصدير، فقد حققت مصر طفرة واضحة، واحتلت المرتبة الثانية عالميا في تصدير الخضروات والفواكه الطازجة إلى أوروبا، وبلغت قيمة صادراتها الزراعية أكثر من 1.46 مليار دولار في الربع الأول من عام 2025.
كل هذه الخطوات تؤكد أن مصر تسير في الاتجاه الصحيح، وتستعد بقوة لمواجهة تقلبات الأسواق العالمية، عبر سياسات واعية ومشروعات طموحة تهدف لتحقيق الأمن الغذائي للمواطن المصري.









