التصعيد الأمريكي الصيني: لعبة عض الأصابع تصل لطريق مسدود

وصلت جولة التصعيد الأمريكي الصيني الأخيرة إلى طريق مسدود، حيث يتمسك كل طرف بموقفه ويلقي بالكرة في ملعب الآخر. وبينما تترقب الأسواق العالمية الخطوة التالية، يبدو أن اللقاء المرتقب بين الرئيسين دونالد ترمب وشي جين بينغ لا يزال على الطاولة رغم حرب التصريحات المتبادلة التي تشعل الحرب التجارية بين أكبر اقتصادين في العالم.
تبادل الاتهامات
بدأت الجولة الأخيرة بتصريحات من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أبدى فيها انفتاحه على اتفاق، لكن نائبه جيه دي فانس سرعان ما وضع شرطًا يوم الأحد، مؤكدًا أن النتيجة “ستعتمد على كيفية ردّ الصينيين”. الرد لم يتأخر، حيث أوضحت وزارة الخارجية الصينية أن خطوات بكين المقبلة ستكون مرهونة بتحركات واشنطن، مشيرة إلى أنها أطلقت بالفعل إجراءات انتقامية.
المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية، لين جيان، صرح بلهجة حاسمة: “إذا واصلت الولايات المتحدة مسارها الخاطئ، فإن الصين ستتخذ بحزم الإجراءات اللازمة لحماية حقوقها ومصالحها المشروعة”. هذا الموقف يعكس تحولًا في الاستراتيجية الصينية من رد الفعل إلى الفعل الاستباقي، مستخدمةً أوراق ضغط جديدة في المفاوضات التجارية.
الأسواق تتحدى التوترات
على الرغم من حدة التصريحات، أظهرت الأسواق المالية هدوءًا نسبيًا. مؤشر “سي إس آي 300” للأسهم الصينية أغلق على تراجع طفيف بنسبة 0.5%، ما يشير إلى أن المستثمرين لا يرون في هذا التصعيد تهديدًا وجوديًا للمفاوضات، بل مناورة تكتيكية. كما تتجه العقود المستقبلية للأسهم الأمريكية للتعافي، مما يعكس ثقة بأن اللقاء بين ترمب وشي لا يزال ممكنًا.
يعزز هذا التفاؤل تحليل مؤسسات مالية مثل “نومورا هولدينغز”، التي ترى أن أكبر اقتصادين في العالم لديهما مصالح متشابكة أعمق من أن تسمح بإلغاء اجتماع القادة المقرر في كوريا الجنوبية. وزير الخزانة الأمريكي، سكوت بيسنت، أكد هذا التوجه بقوله إن اجتماع ترمب وشي “لا يزال قائماً”، متوقعًا عقد اجتماعات تمهيدية هذا الأسبوع.
تحليل المشهد: من يملك اليد العليا؟
السؤال المحوري الآن هو: أي طرف سيقدم التنازل أولاً؟ تشير المعطيات إلى أن قطاع التصدير الصيني يمتلك مرونة كافية لتحمل رسوم جمركية أمريكية تصل إلى 50%، وفقًا لتحليل كريستوفر بيدور من “غافيكال دراغونوميكس”. ويرى بيدور أن بكين لن تقلق إلا إذا تجاوزت الرسوم نسبة 100%، مما يجعلها أولوية ثانوية في الوقت الحالي.
تستخدم الصين ورقة المعادن النادرة بذكاء لانتزاع تنازلات أمريكية بشأن ضوابط تصدير التكنولوجيا، وهو الملف الأكثر حساسية بالنسبة لبكين. في المقابل، يمتلك ترمب أدوات أخرى للضغط، مثل التهديد بعرقلة وصول الصين إلى قطع غيار الطائرات والبرمجيات الحيوية، وهو ما يضع سقفًا لقدرة بكين على التصعيد.
بكين ترد بنفس السلاح
ترى الصين أنها في موقع قوة، كما يوضح جوزيف غريغوري ماهوني، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة شرق الصين. فالصين تعتقد أنها أقدر على تحمل صدمات الحرب التجارية، بينما يحتاج ترمب إلى اتفاق قبل موسم العطلات، وربما قبل صدور حكم من المحكمة العليا بشأن قانونية رسومه الجمركية.
الإطار الذي وضعته بكين للسيطرة على صادرات المعادن النادرة يشبه إلى حد كبير الإجراءات التي تطبقها واشنطن منذ سنوات على رقائقها الإلكترونية المتقدمة. فبعد أن كانت الصين تندد بهذه الأساليب وتصفها بـ”الولاية القضائية طويلة الذراع”، أصبحت الآن تمارس اللعبة ذاتها، مما يغير قواعد الاشتباك في التجارة الدولية.
يقول وو شينبو، مدير مركز الدراسات الأمريكية بجامعة فودان، إن على الولايات المتحدة التراجع عن إجراءاتها الأخيرة، مثل فرض رسوم على السفن الصينية وإلغاء إعفاءات لشركات الرقائق، كشرط لعقد القمة. ويختتم حديثه بلهجة تحدٍ: “إذا كنتم تريدون المضي قدماً في عقد قمة، فعليكم تعديل سياساتكم.. نحن لا نتوسل لعقد قمة”.









