صحة

اختبار دم جديد يحدد مسار علاج سرطان القولون والمثانة

دراسة حديثة تكشف كيف يمكن لفحص دم بسيط أن يجنب مرضى السرطان العلاج الكيميائي القاسي ويفتح الباب أمام الطب الدقيق

صحفية في النيل نيوز، تركز على متابعة المستجدات الصحية وتقديمها بطريقة مبسطة للقراء

في تطور قد يعيد تشكيل بروتوكولات علاج الأورام، كشفت دراسة حديثة عُرضت في اجتماع الجمعية الأوروبية لعلم الأورام الطبي، عن قدرة اختبار دم بسيط على تحديد حاجة مرضى سرطان القولون والمثانة للعلاج الكيميائي وشدته. يفتح هذا النهج الباب أمام علاج أكثر دقة وتخصيصًا، يجنب المرضى الآثار الجانبية القاسية للعلاجات غير الضرورية.

اعتمدت الدراسة على تحليل بيانات أكثر من 1000 مريض مصاب بسرطان القولون في المرحلة الثالثة من أستراليا ونيوزيلندا وكندا. أُخذت عينات دم من هؤلاء المرضى بعد حوالي ستة أسابيع من خضوعهم لجراحة استئصال الورم، وهو توقيت حاسم لتقييم وجود أي خلايا سرطانية متبقية قد لا ترصدها وسائل الفحص التقليدية.

يكمن جوهر هذا الفحص في قدرته على رصد آثار متناهية الصغر من الحمض النووي للورم (ctDNA) في مجرى الدم. ففي حال عدم وجود أي آثار، يُصنف المريض ضمن فئة “منخفضة الخطورة”، بينما يشير وجودها إلى أن المريض “عالي الخطورة”، مما يعني أن الجراحة وحدها لم تكن كافية للقضاء على المرض بالكامل.

نتائج فارقة للمرضى منخفضي الخطورة

أظهرت النتائج، التي نُشرت في مجلة “نيتشر ميديسين” (Nature Medicine)، أن المرضى الذين صُنفت حالتهم بأنها منخفضة الخطورة حققوا “نتائج ممتازة”. فقد بقيت أجساد 87% منهم خالية تمامًا من السرطان بعد ثلاث سنوات من الجراحة، وهو ما يمثل نسبة بقاء مرتفعة للغاية لهذه المرحلة من المرض.

الأهم من ذلك، أن هؤلاء المرضى تلقوا جرعات علاج كيميائي أقل، مما أدى إلى تراجع ملحوظ في حالات البقاء داخل المستشفى وتقليل الآثار الجانبية المؤلمة، وعلى رأسها تلف الأعصاب. هذا التحول لا يحسن جودة حياة المريض فحسب، بل يتحدى أيضًا النهج التقليدي الذي يعتمد على علاج جميع المرضى في نفس المرحلة بنفس الكثافة.

تحديات جديدة للمرضى ذوي الخطورة العالية

على الجانب الآخر، كانت الصورة مختلفة للمرضى الذين بقيت آثار للحمض النووي للسرطان في دمائهم بعد الجراحة. هؤلاء كانوا أكثر عرضة لعودة المرض، حيث ظل نصفهم فقط خاليًا من السرطان بعد ثلاث سنوات. والمفاجأة كانت أن تكثيف العلاج الكيميائي لم يحسن النتائج في هذه المجموعة، مما يشير إلى أن الخلايا المتبقية قد تكون مقاومة للعلاجات التقليدية.

هذه النتيجة، رغم كونها مقلقة، إلا أنها تقدم رؤية تحليلية عميقة، حيث تدفع الباحثين نحو ضرورة ابتكار استراتيجيات علاجية جديدة ومختلفة تمامًا تستهدف هذه الفئة عالية الخطورة، بدلاً من الإصرار على استخدام أسلحة قديمة أثبتت عدم جدواها مع هذا النوع من الأورام المقاومة.

تطبيقات واعدة في سرطان المثانة

لم تقتصر أهمية هذا النهج على سرطان القولون فقط. فقد كشفت تجربة دولية منفصلة، نُشرت في مجلة “نيو إنجلاند الطبية” المرموقة، أن اختبارات الدم الخاصة بالحمض النووي للورم يمكن أن توجه أيضًا العلاج المناعي باستخدام دواء “تيسينتريك” (أتيزوليزوماب)، الذي تنتجه شركة “روش” للأدوية، لمرضى سرطان المثانة بعد استئصال الأورام التي امتدت إلى الأنسجة العضلية.

وفي هذا السياق، صرح الدكتور جواكيم بالمون، رئيس الدراسة من مؤسسة “دانا فاربر”، قائلاً: “من خلال اختيار المرضى بناءً على الحمض النووي المنتشر للورم، نرى فائدة ليس فقط للبقاء على قيد الحياة دون مرض، ولكن أيضًا للبقاء على قيد الحياة بشكل عام”. وأضاف أن هذه هي المرة الأولى التي يثبت فيها علاج مناعي مساعد فائدة لمرضى تم اختيارهم بناءً على اختبار دم، مما يمثل نقلة نوعية في مجال الطب الدقيق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *