عرب وعالم

اتهامات الفساد تهز عرش شركة دامن الهولندية وتهدد طموحات أوروبا الدفاعية

في قلب أوروبا التي تسارع الخطى لتعزيز ترسانتها العسكرية، تواجه إحدى أكبر قلاعها الصناعية عاصفة قد تقتلعها من جذورها. شركة دامن الهولندية لبناء السفن، التي تعد عصبًا رئيسيًا في خطط الدفاع الأوروبي، تجد نفسها اليوم في عين الإعصار، محاطة بأزمات مالية وقانونية تهدد مستقبلها ومستقبل القارة الأمني.

المفارقة تبدو صارخة؛ فقبل أشهر قليلة، وتحديدًا في فبراير الماضي، كانت الأجواء احتفالية، حيث دشنت الأميرة أماليا، وريثة العرش الهولندي، هيكل سفينة الدعم القتالي “Den Helder” وسط حضور لافت من كبار الشخصيات والمسؤولين التنفيذيين في الشركة. لكن سرعان ما تبددت هذه الصورة الوردية لتحل محلها غيوم قاتمة من الشكوك والاتهامات.

من الاحتفالات الملكية إلى قفص الاتهام

لم يكد يمر وقت طويل على تلك الاحتفالية حتى انقلبت الأمور رأسًا على عقب. إذ يواجه عملاق صناعة السفن الهولندية اتهامات خطيرة من قبل المدعين العامين بالفساد وانتهاك عقوبات روسيا. تزامن ذلك مع قرار أحد أبرز عملاء الشركة بتجميد مدفوعاته، مما أدخل الشركة في أزمة سيولة حادة استدعت تدخلًا حكوميًا عاجلًا في يوليو الماضي لإنقاذ الموقف بحزمة دعم طارئة.

هذه التطورات المتسارعة لم تثر قلق هولندا وحدها، بل دقت أجراس الخطر لدى حلفائها في حلف شمال الأطلسي “الناتو”. يأتي هذا في وقت حرج للغاية، حيث تضخ أوروبا مليارات الدولارات في قطاع الدفاع بهدف بناء قدرات ردع قوية في مواجهة التهديدات الروسية المتنامية، وتمثل شركة “دامن” حجر زاوية في هذه الاستراتيجية الطموحة.

ضربة قوية للقدرات العسكرية الأوروبية

من المقرر أن تبدأ الإجراءات القانونية ضد الشركة بحلول نهاية العام الجاري، وفي حال صدر حكم بالإدانة، فإن العواقب ستكون وخيمة. فالعقوبات قد تشمل غرامات مالية ضخمة والحرمان من المشاركة في المناقصات الحكومية، وهو ما قد يؤدي إلى شل حركة شركة دامن بشكل كامل، وبالتالي توجيه ضربة قاصمة لصناعة السفن الهولندية وتعقيد طموحات القارة في إعادة التسلح.

ينقل تقرير لوكالة “بلومبرغ” عن سيباستيان بينينك، الشريك في إحدى شركات المحاماة بأمستردام، قوله: “ستكون ضربة قوية لصناعة السفن الهولندية”، مؤكدًا على الأهمية الاستراتيجية للشركة بالنسبة للقدرات العسكرية الأوروبية. فإذا تعثرت “دامن”، فإن إيجاد بديل بنفس الكفاءة والقدرة لن يكون بالأمر السهل أو السريع.

عملاق يترنح.. ما حجم شركة دامن؟

لفهم حجم الأزمة، يجب إدراك حجم الكيان الذي يواجهها. شركة دامن، التي يقع مقرها في مدينة جورينشيم، ليست مجرد شركة عادية، بل هي مجموعة ضخمة تضم 55 شركة تابعة حول العالم. توظف المجموعة حوالي 12 ألف شخص، وحققت إيرادات تجاوزت 3 مليارات يورو في عام 2023، مما يعكس ثقلها الاقتصادي والصناعي.

يقود الشركة حاليًا أرنوت دامن، الذي ورث الإمبراطورية عن والده كومر دامن، الذي أعاد هيكلتها في عام 1969 ويشغل الآن منصب رئيس مجلس الإشراف. وتكمن أهميتها العسكرية في قائمة مشاريعها الحيوية التي تشمل:

  • بناء فرقاطتين حربيتين مضادتين للغواصات لهولندا.
  • بناء فرقاطتين للبحرية البلجيكية.
  • بناء فرقاطات F126 الألمانية، وهي أكبر سفن الأسطول الألماني.
  • تصميم فرقاطات دفاع جوي وسفن نقل برمائية جديدة للبحرية الهولندية.

ويحذر نيك تشايلدز، الباحث في الشؤون البحرية لدى المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، من أنه “لا يوجد سوى عدد محدود من شركات بناء السفن في أوروبا التي يمكنها تسليم سفن حربية معقدة وعالية الجودة”، مشيرًا إلى صعوبة تعويض دور “دامن” في هذا التوقيت الحرج.

تفاصيل الاتهامات.. رشوة وخرق لعقوبات روسيا

في أبريل الماضي، أعلنت دائرة الادعاء الهولندية رسميًا أنها ستحيل الشركة إلى القضاء بناءً على تحقيقات جنائية منفصلة. تشمل اتهامات الفساد جرائم رشوة وتزوير وغسيل أموال يُشتبه في وقوعها بين عامي 2006 و2017. أما التهمة الثانية، فتتعلق بانتهاك عقوبات روسيا المفروضة بعد غزو أوكرانيا في عام 2022.

ووفقًا لبيان الادعاء، فإن انتهاك العقوبات يتعلق بـ”سلع وتكنولوجيا يمكن أن تسهم في تعزيز روسيا عسكريًا وتكنولوجيًا”. وفي هولندا، تعتبر الانتهاكات المتعمدة للعقوبات جريمة خطيرة، وقد تصل الغرامة إلى 10% من المبيعات السنوية للشركة. من جانبها، ذكرت “دامن” في بيان أن القضية تتعلق بـ”توريد عدد محدود جدًا من الرافعات المدنية”، مؤكدة أنها “تصرفت دائمًا بموجب حزم العقوبات المعمول بها”.

هذه ليست المرة الأولى التي يثار فيها الجدل حول الشركة. ففي عام 2016، منعها البنك الدولي من العمل في مشاريعه لمدة 18 شهرًا بتهمة الاحتيال. وفي عام 2017، داهمت السلطات الهولندية مقرها على خلفية اتهامات بالفساد الخارجي، مما يرسم صورة مقلقة حول ممارسات الشركة على مدار السنوات الماضية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *