اتفاق غزة في شرم الشيخ: تفاؤل حذر يسبق مفاوضات شائكة

في خطوة دبلوماسية بارزة، شهدت مدينة شرم الشيخ توقيع وثيقة اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، بحضور قادة الولايات المتحدة ومصر وقطر وتركيا. لكن خلف الأجواء الاحتفالية، تكمن تحديات المرحلة الثانية من المفاوضات التي تحمل في طياتها الملفات الأكثر تعقيدًا، وعلى رأسها مستقبل القطاع الأمني والسياسي.
الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي وصل شرم الشيخ بعد لقاء مغلق مع بنيامين نتنياهو وخطاب أمام الكنيست، وصف الاتفاق بأنه شامل وواضح وسيصمد طويلًا. وقال في كلمته خلال قمة شرم الشيخ للسلام: “شرف أن أكون جزءاً من هذا الحدث.. إنها وثيقة شاملة للغاية”، مؤكدًا أن وثائق سابقة تم توقيعها في الشرق الأوسط مهدت لهذا الإنجاز.
تبادل إشادات ودلالات سياسية
الإشادة الأميركية بالدور المصري كانت لافتة، حيث أرجع ترمب الفضل للقاهرة في إنجاز الاتفاق قائلاً إن “مصر لعبت دوراً مهماً في اتفاق غزة لأن حماس تحترمها”. في المقابل، أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء ثنائي مع نظيره الأميركي، أنه “كان متأكداً أن ترمب هو الوحيد القادر على إنهاء الحرب في غزة”، مشددًا على ضرورة تثبيت وقف إطلاق النار وإدخال المساعدات الإنسانية للقطاع.
هذا التوافق الظاهري، الذي عززته الصور التذكارية والأجواء الدافئة رغم تأخر انطلاق القمة بسبب تمديد زيارة ترمب لإسرائيل، لم ينجح في إخفاء القلق العميق من مصير المفاوضات المؤجلة. فكل القضايا الخلافية الكبرى، من السلاح إلى الإدارة، تم ترحيلها إلى المرحلة الثانية التي يفترض أن تبدأ فورًا بعد تبادل الأسرى، وهو ما يضع الاتفاق برمته أمام اختبار حقيقي.
تحديات المرحلة الثانية
ورغم إعلان الرئيس الأميركي أن المرحلة الثانية من الاتفاق قد بدأت بالفعل، إلا أن مبعوثه إلى الشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، أقر بأنها “أهم المراحل في العملية”، في اعتراف ضمني بصعوبتها. فخطة ترمب تطرح تصورات جذرية مثل نزع سلاح حركة حماس وتشكيل إدارة دولية للقطاع، وهي نقاط أبدت الحركة تحفظات جوهرية عليها رغم قبولها المبدئي بالمبادرة.
وتتعمق هذه التحديات بالنظر إلى خطاب ترمب الأخير أمام الكنيست، الذي جدد فيه دعوته لنزع سلاح حماس، واقتراحه بانضمام الرئيس السيسي إلى ما يعرف بـ”مجلس السلام لإدارة قطاع غزة“. في المقابل، يركز الجانب المصري على أولويات مختلفة، حيث طالب السيسي بدعم أميركي لعقد مؤتمر إعادة إعمار غزة، وهو ملف يمثل بحد ذاته ساحة محتملة للتعقيدات السياسية والمالية.
ملف الإعمار والمساعدات
قضية المساعدات الإنسانية وملف إعادة الإعمار تصدرت بالفعل اجتماعًا تنسيقيًا عُقد قبيل وصول ترمب، وضم قادة ومسؤولين رفيعي المستوى من مصر والأردن وفرنسا وتركيا وقطر وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا وكندا والسعودية. هذا الحضور الدولي الواسع يعكس حجم الاهتمام بضمان استقرار الأوضاع الإنسانية كشرط أساسي لنجاح أي تسوية سياسية.
وأوضح المتحدث باسم الرئاسة المصرية، السفير محمد الشناوي، أن الاجتماع هدف لتنسيق الجهود لتنفيذ اتفاق وقف الحرب، مشيرًا إلى أن الرئيس السيسي شدد على أهمية البناء على زخم قمة شرم الشيخ للدفع نحو عقد “مؤتمر القاهرة للتعافي المبكر وإعادة الإعمار” في نوفمبر 2025.
وفي سياق متصل، دعا السيسي الدول الأوروبية إلى تشجيع الأطراف على الالتزام بالاتفاق، وتقديم الدعم لمصر والأردن في جهودهما لتدريب أفراد الشرطة الفلسطينية. هذه الدعوة تشير إلى رؤية أوسع تسعى لربط الحلول الأمنية بدعم دولي، وتحديدًا من الاتحاد الأوروبي، لضمان استدامة أي ترتيبات مستقبلية في قطاع غزة.









