اقتصاد

أوبك تتحدى التوترات التجارية وتثبت توقعات الطلب على النفط

في خطوة تعكس ثقة راسخة بأساسيات السوق، أبقت منظمة البلدان المصدرة للبترول “أوبك” على توقعاتها لنمو الطلب على النفط دون تغيير للعامين الجاري والمقبل. يأتي هذا التثبيت في وقت يشهد فيه سوق النفط العالمية تقلبات حادة، مدفوعة بالتوترات التجارية المتصاعدة بين الولايات المتحدة والصين.

حافظت المنظمة في تقريرها الشهري على تقديراتها لنمو الطلب العالمي على الخام خلال عام 2026 عند مستوى 1.4 مليون برميل يوميًا، وهو نفس التوقع للشهر الثاني على التوالي. ويُعزى هذا الاستقرار إلى النشاط الاقتصادي القوي المتوقع في الدول خارج منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وتحديدًا في الصين والهند ودول آسيوية أخرى، والتي باتت تمثل قاطرة النمو الرئيسية للاقتصاد العالمي.

على نفس المنوال، ثبتت “أوبك” توقعاتها لنمو الطلب خلال العام الجاري عند 1.3 مليون برميل يوميًا، وهو المستوى الذي استقرت عليه تقديراتها للشهر السادس على التوالي. يعكس هذا القرار قراءة متأنية للسوق تتجاوز الضوضاء السياسية قصيرة الأجل، وتركز على المحركات الاقتصادية الفعلية التي تشكل الطلب على الطاقة، وهو ما يبعث برسالة طمأنة للأسواق بشأن استدامة الطلب.

عزز من هذه النظرة المتفائلة تراجع مخزونات النفط التجارية في دول “منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية” بمقدار 500 ألف برميل يوميًا في أغسطس، لتصل إلى 2793 مليون برميل. هذا الرقم يقل بنحو 92 مليون برميل عن متوسط الخمس سنوات، ما يشير إلى أن السوق تتجه نحو مزيد من التوازن بين العرض والطلب.

محركات الطلب الرئيسية في 2025

كشف تقرير “أوبك” الشهري عن تعديل طفيف بالرفع لتقديرات الطلب العالمي على النفط للربع الأخير من العام الجاري، ليصل إلى 106.57 مليون برميل يوميًا. ويقود هذا النمو بشكل أساسي قطاعا النقل والبتروكيماويات، مع زيادة ملحوظة في الطلب على وقود الطائرات/الكيروسين، والديزل، وغاز البترول المسال، مما يعكس عودة النشاط الاقتصادي العالمي لمساره الطبيعي.

ونقل التقرير عن سليمان سعد، رئيس قسم دراسات الطلب في المنظمة، أن “استمرار تعافي قطاع الطيران والطلب القوي على المواد البتروكيماوية يمثلان المحركين الأساسيين لنمو استهلاك النفط في 2025”. ويشير هذا التحليل إلى تحول هيكلي في مصادر الطلب، حيث لم يعد يقتصر على وقود السيارات التقليدي.

حدد التقرير ثلاثة محركات رئيسية لنمو توقعات الطلب على النفط في 2025:

  • النشاط الاقتصادي القوي في دول آسيا (باستثناء الصين).
  • التعافي المستمر في حركة الطيران العالمية.
  • الاحتياجات المتزايدة لقطاع البتروكيماويات.

ومع ذلك، لم يغفل التقرير التحديات المحتملة، مثل مستويات التضخم المرتفعة، وتوجهات السياسة النقدية للبنوك المركزية الكبرى، وعبء الديون السيادية الذي قد يكبح جماح النمو الاقتصادي.

نظرة على الإمدادات العالمية

فيما يتعلق بجانب العرض، أبقت “أوبك” على توقعاتها لنمو المعروض من خارج تحالف “أوبك+” عند 800 ألف برميل يوميًا هذا العام، مدعومًا بزيادات إنتاج النفط في الولايات المتحدة والبرازيل وكندا والأرجنتين. وتظهر هذه الأرقام أن منتجي النفط الصخري وغيرهم من المنافسين لا يزالون لاعبين مؤثرين في السوق.

وأظهرت بيانات المصادر الثانوية أن إنتاج تحالف “أوبك+” الفعلي ارتفع في سبتمبر بنحو 630 ألف برميل يوميًا، حيث تصدرت السعودية الزيادة بـ 248 ألف برميل يوميًا. وتأتي هذه الخطوة ضمن استراتيجية محسوبة من التحالف لاستعادة حصته السوقية تدريجيًا بعد فترة من التخفيضات الطوعية التي هدفت إلى دعم أسعار النفط.

الأسعار بين مطرقة الرسوم وسندان التصريحات

شهدت أسعار النفط تراجعًا ملحوظًا نهاية الأسبوع الماضي بعد تهديدات الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب بفرض رسوم جمركية جديدة على الصين، مما أثار مخاوف من حرب تجارية شاملة قد تؤدي إلى تباطؤ حاد في الاقتصاد العالمي. لكن الأسعار سرعان ما استعادت توازنها مع صدور تصريحات أمريكية أكثر مرونة.

وفي هذا السياق، قال حارس خورشيد، المدير التنفيذي للاستثمار في “كاروبار كابيتال”، في مقال مع “بلومبرغ” إن “السوق كانت تتوقع الأسوأ، ولهذا فإن لهجة أكثر ليونة تمنح النفط بعض المجال لالتقاط أنفاسه”. يعكس هذا التقلب حساسية أسواق الطاقة الشديدة للتصريحات السياسية، حتى في ظل وجود أساسيات قوية تدعم الطلب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *