اقتصاد

أموال الخليج السيادية تعيد رسم خريطة الصفقات العالمية

كيف تعيد أموال الخليج السيادية تشكيل سوق الاستحواذات العالمية بصفقات مليارية؟

في تحرك لافت يعكس تغيراً في موازين القوى المالية، تقود الصناديق السيادية في الشرق الأوسط وآسيا موجة غير مسبوقة من صفقات الاندماج والاستحواذ العالمية. هذه الصناديق، بفضل سيولتها الضخمة، لم تعد مجرد مستثمر صامت، بل أصبحت لاعباً رئيسياً يحدد مسار كبرى الصفقات في قطاعات حيوية، وتدفع السوق نحو أرقام قياسية.

تحالفات كبرى تضخ السيولة في الأسواق

أسهمت هذه القوة المالية الجديدة في إنعاش سوق صفقات الاندماج والاستحواذ العالمية، التي تجاوزت قيمتها 3.5 تريليون دولار منذ بداية العام. ويأتي هذا الانتعاش مدفوعاً بسلسلة من الصفقات الكبرى التي شاركت فيها صناديق خليجية وآسيوية، مثل إعلان شركتي “بلاكستون” و”تي بي جي” عن اتفاق للاستحواذ على شركة الأجهزة الطبية “هولوجيك” مقابل 18.3 مليار دولار، بمشاركة فاعلة من “جهاز أبوظبي للاستثمار” وصندوق “جي آي سي” السنغافوري.

ولم تكن هذه الصفقة استثناءً، فقبلها بأيام، تعاونت “بلاك روك” مع شركة الذكاء الاصطناعي “إم جي إكس” التابعة لـ”مبادلة للاستثمار” الإماراتية، في صفقة ضخمة بقيمة 40 مليار دولار للاستحواذ على “ألايند داتا سنترز”. كما دخلت مجموعة “كارلايل” في شراكة مع “جهاز قطر للاستثمار” لشراء وحدة تابعة لشركة “باسف” الألمانية في صفقة قُدرت قيمتها بنحو 8.9 مليار دولار.

وفي خطوة جسدت حجم الطموحات، وافق “صندوق الاستثمارات العامة” السعودي، الذي يرأسه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، على شراء عملاق ألعاب الفيديو “إلكترونيك آرتس” في صفقة بلغت قيمتها 55 مليار دولار. وتُعد هذه الصفقة، التي تمت بالرافعة المالية، الأكبر من نوعها في التاريخ، مما يؤكد على الدور المحوري الذي يلعبه الصندوق في الساحة الاستثمارية العالمية.

استراتيجية جديدة.. من التمويل إلى صناعة الصفقات

يعكس هذا النشاط المحموم تحولاً استراتيجياً عميقاً لدى الصناديق السيادية. فبدلاً من الاكتفاء بدور الممول السلبي لصناديق الملكية الخاصة، تعمل هذه الكيانات الآن على توسيع فرقها الاستثمارية الداخلية لتنفيذ المزيد من الاستثمارات المباشرة. هذا التوجه لا يتيح لها تحقيق أرباح أعلى فحسب، بل يجنبها أيضاً دفع الرسوم الباهظة التي تتقاضاها بنوك وول ستريت.

ونجحت هذه الصناديق في استغلال ثقلها المالي للحصول على امتيازات غير مسبوقة، تسمح لها بالمشاركة المباشرة في الصفقات جنباً إلى جنب مع عمالقة الملكية الخاصة. أصبحت هذه الصناديق شريكاً لا غنى عنه في هيكلة وتمويل أكبر عمليات الاستحواذ، مما يمنحها مقعداً على طاولة صنع القرار في الاقتصاد العالمي.

الذكاء الاصطناعي.. ساحة التنافس الجديدة

يبرز قطاع التكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي على وجه الخصوص، كساحة رئيسية لهذا النشاط الاستثماري. ففي أغسطس الماضي، دعم “جهاز أبوظبي للاستثمار” صفقة استحواذ شركة “ثوما برافو” على مزود برمجيات الموارد البشرية “دايفورس” بقيمة تقارب 12 مليار دولار. وتتجه الأنظار بشكل خاص نحو الاستثمارات الإماراتية في هذا المجال.

فقد استثمرت شركة “إم جي إكس”، المدعومة من حكومة أبوظبي ويشرف عليها الشيخ طحنون بن زايد آل نهيان، في شركة “أوبن إيه آي” (OpenAI) وفق تقييم ضخم بلغ 500 مليار دولار. كما دعمت الشركة مشروع “xAI” الذي أسسه إيلون ماسك، وتخطط للمساهمة في مشروع “ستارغيت” الذي أعلن عنه الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب، مما يظهر طموحاً يتجاوز مجرد العائد المالي إلى التأثير الاستراتيجي.

في المقابل، وعلى جبهة أخرى من هذا السباق التكنولوجي، ضخ كل من صندوق “جي آي سي” السنغافوري و”جهاز قطر للاستثمار” أموالاً في شركة الذكاء الاصطناعي المنافسة “أنثروبيك”. يعكس هذا التوزيع للاستثمارات حالة من التنافس المحسوب بين القوى المالية الكبرى للفوز بحصة في مستقبل التكنولوجيا.

وول ستريت تترقب.. وموجة الصفقات مستمرة

وتؤكد بيانات “بلومبرغ” هذا الزخم، حيث ارتفع حجم صفقات الاندماج والاستحواذ بنسبة 34% هذا العام ليصل إلى 3.5 تريليون دولار، مسجلاً أكثر من 1.3 تريليون دولار في الربع الثالث وحده. هذه الأرقام تضع عام 2025 على المسار الصحيح ليكون العام الأفضل منذ 2021، مما يشير إلى أن شهية المستثمرين لا تزال مفتوحة.

ويتوقع كبار المصرفيين في بنوك الاستثمار استمرار هذه الموجة، إذ رجّح بنك “غولدمان ساكس” تسارع وتيرة الصفقات بنهاية العام، مع احتمال أن يشهد عام 2026 رقماً قياسياً جديداً. وتواصل الصناديق السيادية بحثها عن فرص جديدة، حيث تدرس ذراع إدارة الأصول التابعة لـ”مبادلة” الاستحواذ على شركة “كلير تشانل أوتدوور هولدنغز” للإعلانات الخارجية.

ولا تقتصر استثمارات هذه الصناديق على الاستحواذات المباشرة، بل تتوسع لتشمل تمويل كيانات جديدة. فقد شارك “جهاز قطر للاستثمار” في جولة تمويل بأكثر من ملياري دولار لصالح الشركة الجديدة التي أسسها وكيل هوليوود الشهير آري إيمانويل، مما يؤكد على تنوع وتغلغل هذه الأموال في مختلف شرايين الاقتصاد العالمي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *