فن

«أفاتار: نار ورماد» لكاميرون يربط الصراعات العالمية بشاشات السينما

جيمس كاميرون يربط أحدث أجزاء أفاتار بأحداث غزة والسودان

ربط المخرج جيمس كاميرون، صانع سلسلة أفلام “أفاتار”، أحدث أجزاء السلسلة، “Avatar: Fire And Ash”، بالصراعات العالمية الراهنة، مشيراً إلى تشابهات مع أحداث غزة والسودان وأوكرانيا. يأتي هذا الربط ليُعيد إلى الأذهان تأثره السابق بالاحتلال الأمريكي للعراق وسياساته الاستعمارية.

خلال عرض الفيلم بتقنية الـ4K في قاعات حديثة، وسط جمهور غالبيته من المراهقين وصغار السن، ومع مؤثرات حسية تشمل مقاعد متحركة وروائح ومؤثرات مائية، تبرز المقارنات بين ما يُعرض على الشاشة والواقع. وقد تثير هذه التجربة تساؤلات حول مدى انعكاس الأحداث العالمية على السرد السينمائي.

وفي حوار مع بودكاست Directors Debrief، الذي يقدمه براندون ديفير، عقب عرض الفيلم مؤخراً، قارن كاميرون صراحة بين الفيلم وما يحدث في غزة والسودان وأوكرانيا. ووصف المخرج هذه الصراعات بأنها “حروب وجودية” تخوضها شعوب أضعف ضد قوى استعمارية تستخدم أسلحة مدمرة للأرواح والبيئة، سعياً لاحتلالها. وقد تركز معظم حديثه على هذه المقارنات “السياسية” بين الفيلم والواقع.

ويُعزز هذا التوجه إنتاج كاميرون التنفيذي لفيلم “There Is Another Way” الوثائقي، الذي عُرض مطلع العام الجاري. ويرصد الفيلم محاولات جماعات السلام لإيجاد حل لقضية الصراع العربي الصهيوني، بعيداً عن دائرة العنف المتواصلة. يتفق هذا مع وجهة النظر التي يطرحها الفيلم على لسان شخصية “جيك” بأن العنف لا يولد سوى مزيد من العنف.

ملك الصناعة السينمائية

بعد فوز فيلم “Titanic” بـ11 جائزة أوسكار عام 1997، صعد جيمس كاميرون ليُعلن “أنا ملك العالم”. ولا يزال المخرج والمؤلف والمنتج، الذي تجاوز السبعين من عمره، يتربع على عرش صناعة السينما.

اشتهر كاميرون طوال مسيرته باهتمامه الفائق بالتقنيات السينمائية، وشكلت معظم أفلامه مغامرات إنتاجية جريئة. وقد حققت هذه الأفلام نجاحات خيالية في شباك التذاكر؛ فعلى سبيل المثال، قُدرت تكاليف إنتاج أفلام “أفاتار” بمليار دولار، لكن الجزءين الأول والثاني منها تجاوزت إيراداتهما 5 مليارات دولار، مع ترقب لنتائج الجزء الثالث.

يبدو أن صانع “Aliens” وسلسلة “Terminator” يركز على إمتاع الجمهور وتحقيق أرقام قياسية في الإيرادات، ودفع صناعة السينما إلى مستويات غير مسبوقة على صعيد الإنتاج والحرفية. ويسعى جمهوره عادة إلى تجربة مشاهدة “غامرة” تمتد لثلاث ساعات (متوسط معظم أفلامه)، يغادرون فيها الواقع ويعيشون حلماً مليئاً بالمغامرات والانفعالات.

ورغم هذه الجوانب، فإن الصورة الكاملة لجيمس كاميرون تتجاوز مجرد الإبهار التقني.

رؤية متشائمة

خلف التقنيات المبهرة، يختفي مؤلف سينمائي ذو بصمة أسلوبية واضحة، وتتخفى خلف قصص أفلامه فلسفة ورؤية للعالم تتسم بالواقعية والتشاؤم، وتُبطن ثقافة عميقة بالتاريخ الحديث والقديم. وتظهر هذه البصمة والرؤية في سلسلة “Terminator” وتتبدى بشكل أوضح في “أفاتار”.

في “Terminator”، تدور الحبكة حول قدوم المستقبل (ممثلاً في الروبوت المدمر) إلى الحاضر لتدمير الأرض أو إنقاذها. أما في “أفاتار”، التي تدور أحداثها في منتصف القرن القادم، فقد تم تدمير الحاضر والمستقبل القريب بالفعل على يد البشر.

ولا يكتفي البشر بذلك، بل يسعون لاحتلال الكواكب الأخرى لنهب ثرواتها وتدمير حضارتها وبيئتها. وتبدو الفكرة المحورية هي ذاتها: تكنولوجيا التسليح تجلب الفناء، ويتعين على الأمهات (أم البطل في “Terminator” والطبيعة الأم في “أفاتار”) إنقاذ الأرض أو كوكب باندورا من رجال الحرب المدمرين.

على مستوى الحكاية، لا يقدم “Avatar: Fire And Ash” جديداً جوهرياً، إذ يتكرر الصراع الذي شوهد في “Avatar” عام 2009، وفي “Avatar: The Way Of Water” عام 2022، بين البشر المستعمرين الذين يتوجهون إلى الكوكب القمري باندورا بحثاً عن مصادر للحياة، والسكان الأصليين البدائيين تكنولوجياً، لكنهم يمتلكون قوة الطبيعة وميراثهم الروحي القوي.

هذه الفكرة المتكررة لا تجد هنا حبكة أو تفاصيل تضفي عليها المصداقية والشعور بالجدة. ولعل هذا الشعور بالتكرار هو سبب الجدل الذي أثير عقب إعلان كاميرون عن وجود جزئين إضافيين، رابع وخامس، للسلسلة يُفترض عرضهما خلال السنوات القادمة.

بين السينما والواقع الافتراضي

ما يقدمه “Avatar: Fire And Ash” ليس القصة بقدر ما هو تجربة المشاهدة نفسها، والتي قد لا تكون جديدة تماماً، لكنها تمهد الطريق أمام مستقبل جديد للسينما تذوب فيه الحدود بين السينما والواقع الافتراضي (VR) الذي يتطور بسرعة هائلة. الفارق بين الاثنين هو أن السينما تظل تحفظ للمشاهد مسافته الآمنة العقلانية تجاه الفيلم، بينما يسعى الواقع الافتراضي لإيهامه بأنه “يعيش” التجربة فعلياً.

ينجح “أفاتار” في تقريب هذا الفارق، وربما في المرات القادمة يدخل المشاهد إلى الجزءين الرابع والخامس مرتدياً خوذة الواقع الافتراضي أو اختراعاً مشابهاً. ويجيد جيمس كاميرون اللعب بالحواس، ولعل أقوى ما ينجح فيه هو تحقيق الشعور بالطيران في الفضاء والسقوط، في تجربة حسية تشبه ركوب عربة الملاهي أو ما يُطلق عليه مجازاً “الروللر كوستر” (Rollercoaster)، وهو ما يتحقق هنا حرفياً أو شبه حرفياً. يأتي ذلك بالإضافة إلى تطور تقنيات الـ3D والـ4K والصوت ودور العرض المصممة على طريقة عربات الملاهي وبيوت الرعب.

تساهم سلسلة “أفاتار”، التي تحولت إلى ألعاب فيديو وتنتظر نزول نسخ متطورة منها إلى الأسواق، بدورها في دخول الأجيال الجديدة إلى عصر الذكاء الاصطناعي الذي يشهد تقدماً مذهلاً في كل المجالات، ومنها السينما.

ومن المثير للاهتمام أن كاميرون، الذي لا يزال ينتمي إلى الجيل القديم بشكل أو بآخر، كشف أن صناع الفيلم لم يستخدموا الذكاء الاصطناعي في رسم الشخصيات، بل اعتمدوا على الممثلين بشكل أساسي (مع معالجة صورتهم لتشبه الكائنات الفضائية)، مؤكداً احترامهم واحتفاءهم بالممثلين وعدم استبدالهم.

عناصر إنسانية

هذا الاهتمام بالتمثيل والاستعانة بعدد من النجوم والممثلين المتميزين (منهم سيجورني ويفر، كيت وينسلت، زوي سالادانا، ميشيل يوه، ديفيد ثويليس، سام ورثنجتون، وغيرهم) هو بالتحديد ما يمنح “أفاتار” تميزه كفيلم ويميزه عن ألعاب الفيديو.

لكن، بالعودة إلى البداية، لا يمكن لشكل فني فائق الجودة أن ينجح دون وجود مضمون فكري وإنساني يتكامل مع هذا الشكل ويساهم في خلقه بطريقة متفردة.

ورغم أن القصة لا تحمل جديداً، يعزز “Avatar: Fire And Ash” بعض الأفكار العميقة التي يحتاج إليها المشاهدون من الأجيال الجديدة والقديمة. من هذه الأفكار، تصوير المرأة باعتبارها أصل الحياة والأكثر اتصالاً بالطبيعة. ويستخدم جيمس كاميرون عناصر من الديانات الوثنية والإبراهيمية، التي تبدو ظاهرياً متعارضة، ليشكل خطاباً روحياً يجسد علاقة الإنسان بالطبيعة والقوى الغيبية التي تخلق وتتحكم في العالم.

على سبيل المثال، تتردد هنا أسطورة البشري نصف الإله، من خلال البطلين الصغيرين، “نيتيري” ابنة الإلهة “إيوا”، في انعكاس لقصة المسيح، و”سبايدر” نصف البشري ونصف الفضائي.

ومع أن صور الفيلم وأفكاره “تقدمية”، إلا أن بعض الأفكار الذكورية “النمطية” تتسلل إليه، مثل ربط الشر بالنار والمرأة المثيرة الفتاكة التي تجسدها شخصية “فارانج” ملكة قبيلة “الرماد”.

وتبقى الرسائل السياسية التي ينقلها الفيلم إلى مشاهديه، من احتقار للنزعة الاستعمارية للغرب الأبيض، والتي تظهر من خلال اختيار ممثلي معظم ضباط وعلماء وسياسيين الغزاة، والطريقة التي يؤدون بها أدوارهم، وكذلك في الوظيفة الدرامية التي يمثلونها كأشرار ومفسدين لأي أرض تلمسها أقدامهم. وفي المقابل، يصور السكان الأصليين لشعب “النافي” كطيبين ومتصالحين مع الطبيعة والبيئة، ويستميتون في الدفاع عن وطنهم وأطفالهم.

تُعد هذه الرسائل، التي تتسلل إلى وجدان مشاهدي السلسلة من الشباب والمراهقين، أمراً جيداً ومهماً في هذا التوقيت الذي يعاني فيه الكوكب من الحروب العبثية والتدمير الممنهج للبيئة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *