أسطول الأشباح.. كيف تعيد البحرية البريطانية رسم مستقبلها بقوارب مسيرة؟
لمواجهة نقص الجنود وتحديات المستقبل، لندن تختبر قوارب 'راتلر' المسيرة التي قد تغير وجه الحروب البحرية.

في خطوة تعكس تحولًا استراتيجيًا عميقًا، أجرت البحرية الملكية البريطانية تجارب متقدمة على أسطول من قوارب “راتلر” (Rattler) المسيرة، التي يمكن التحكم بها عن بعد يصل إلى 800 كيلومتر. لا تأتي هذه الخطوة في سياق السباق التكنولوجي العالمي فحسب، بل كحل عملي لمواجهة أزمة تجنيد حادة تواجهها القوات البحرية في المملكة المتحدة، مما يدفعها نحو مستقبل يعتمد على “البحرية الهجينة” المكونة من منصات مأهولة وغير مأهولة.
تحديات بشرية وحلول تكنولوجية
لم يعد الاعتماد على المركبات البحرية دون طاقم خيارًا ترفيًا، بل ضرورة استراتيجية تفرضها الظروف. فبحسب تقارير متخصصة، تواجه البحرية الملكية البريطانية تحديات في الحفاظ على أعداد كافية من الكوادر البشرية، وهو ما يجعل من القوارب المسيرة حلاً مزدوج الفائدة: فهي تعوض النقص العددي وتقلل من المخاطر على حياة الجنود في المهام الخطرة. العرض الأخير الذي أُجري قبالة سواحل اسكتلندا، بمشاركة 5 قوارب مسيرة رافقت سفينة دوريات، أثبت قدرة هذه الأنظمة على العمل بتناغم تام مع القطع البحرية التقليدية.
خلال التدريب الذي استمر 72 ساعة، تم التحكم في أسطول “راتلر” الصغير من مركز قيادة يبعد أكثر من 800 كيلومتر، مما يبرهن على نضج تكنولوجيا التحكم عن بعد. ويرى مراقبون أن هذا النجاح يفتح الباب أمام استخدام هذه القوارب في مهام معقدة مثل حماية الممرات المائية الحيوية، ومراقبة السواحل، وتنفيذ عمليات استطلاع دون الحاجة إلى إرسال سفن حربية كبيرة ومكلفة.
قدرات “راتلر”: من السرب إلى الاستقلالية الكاملة
صُممت قوارب “راتلر”، التي يبلغ طول كل منها 7.2 متر، لتكون مرنة وقادرة على العمل بشكل فردي أو ضمن “سرب ذكي”. يمكن برمجتها مسبقًا بمسارات محددة وتنفيذ مهام متنوعة تشمل المراقبة، والاستطلاع، ونقل الحمولات. مرونتها التشغيلية تمتد إلى إمكانية نشرها جوًا أو برًا، مما يمنح البحرية الملكية البريطانية قدرة على الاستجابة السريعة في مسارح عمليات مختلفة.
وفي هذا السياق، يوضح الخبير في الشؤون العسكرية، الدكتور أحمد قنديل، أن “مفهوم الأسراب المسيرة يغير قواعد الاشتباك البحري، فهو يسمح بإرباك دفاعات الخصم وتشتيت انتباهه بتكلفة منخفضة، وهو تكتيك فعال بشكل خاص ضد الأهداف البحرية الكبيرة”. وعلى الرغم من أن التحكم الحالي يتم بواسطة فريق بشري، فإن الهدف المستقبلي هو الوصول إلى استقلالية كاملة، حيث تعمل هذه القوارب دون أي تدخل بشري مباشر.
نحو عقيدة بحرية جديدة
تأتي تجارب “راتلر” ضمن رؤية أوسع تتبناها لندن بالتعاون مع حلفائها. فهذه الخطوة تلت اختبارات ناجحة للغواصة المسيرة “إكسكاليبر” (Excalibur)، التي تم التحكم بها عن بعد وهي في الجانب الآخر من العالم، وذلك في إطار مشروع AUKUS الذي يجمع المملكة المتحدة والولايات المتحدة وأستراليا. هذا التوجه يؤكد أن التحول نحو الأنظمة غير المأهولة ليس مجرد مشروع محلي، بل هو جزء من استراتيجية دفاعية غربية مشتركة.
إن ما تقوم به البحرية الملكية البريطانية اليوم هو أكثر من مجرد تحديث لترسانتها؛ إنه إعادة تعريف لهويتها وعقيدتها القتالية. وكما صرح القائد مايكل هاتشينسون، فإن هذه اللحظة “مهمة حقًا” في مسيرة التقدم نحو بحرية هجينة. هذه التقنية، التي تم تطويرها بوتيرة متسارعة، لن تدعم السفن الحربية الحالية فحسب، بل ستغير بشكل جذري أسلوب القتال البحري في المستقبل.
في المحصلة، تمثل قوارب “راتلر” إجابة بريطانية عملية على تحديات القرن الحادي والعشرين، حيث تتداخل التكنولوجيا مع الضرورات الاستراتيجية. ومع استمرار تطور هذه الأنظمة، يبدو أن “أسطول الأشباح” الذي كان يومًا ما ضربًا من الخيال العلمي، أصبح اليوم حقيقة واقعة ترسم ملامح القوة البحرية في العقود القادمة.









