عرب وعالم

أزمة تحت السطح: التحديات الجسيمة التي تواجه برنامج الغواصات النووية البريطاني

تقييمات حادة تكشف عن تدهور غير مسبوق في جاهزية الأسطول وتثير تساؤلات حول مستقبل القدرات الدفاعية للمملكة المتحدة.

كشفت تقييمات حادة من داخل الأوساط الدفاعية البريطانية عن أزمة عميقة تعصف ببرنامج الغواصات النووية للمملكة المتحدة. لم تعد بريطانيا قادرة على إدارة هذا البرنامج الحيوي بكفاءة. سنوات من سوء الإدارة أدت إلى تدهور خطير في معدلات جاهزية الأسطول. كما تأثرت مجموعة واسعة من مؤشرات الأداء الأخرى. يأتي هذا في وقت حرج تسعى فيه لندن لتأكيد مكانتها كقوة عالمية بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي، وتتزايد فيه التوترات الجيوسياسية على الساحة الدولية.

تحديات الردع النووي البريطاني

انتقد الأدميرال فيليب ماتياس، المدير السابق للسياسة النووية بوزارة الدفاع البريطانية، بشدة حالة أسطول الغواصات. أكد ماتياس أن الأسطول يعاني من معدلات جاهزية “منخفضة بشكل صادم”. يرى أن تخفيضات الميزانية وفشلاً ذريعاً في إدارة الكوادر الرئيسية فاقما المشكلة بشكل كبير. هذا الوضع، بحسب ماتياس، غير مسبوق في عصر الغواصات النووية، ويمثل “فشلاً كارثياً في التخطيط للخلافة والقيادة”. هذه التصريحات لا تقتصر على كونها مجرد انتقادات داخلية، بل هي مؤشر على تآكل محتمل في أحد أركان الردع الاستراتيجي للمملكة المتحدة، مما يثير تساؤلات حول قدرتها على الوفاء بالتزاماتها الأمنية والدفاعية كعضو دائم في مجلس الأمن الدولي وكقوة نووية.

تداعيات اتفاقية أوكوس

في ضوء هذه التحديات، حث ماتياس الحكومة البريطانية على الانسحاب من اتفاقية أوكوس (AUKUS) مع أستراليا والولايات المتحدة. تهدف الاتفاقية إلى تزويد البحرية الملكية بما يصل إلى 12 غواصة نووية جديدة. بدلاً من ذلك، دعا إلى التركيز على أنظمة أكثر فاعلية من حيث التكلفة، مثل الغواصات الصغيرة غير المأهولة. هذا الاقتراح، الصادر عن شخصية بهذا الوزن والخبرة، لا يمثل مجرد رأي فني، بل هو إشارة مقلقة إلى عمق المشكلة، ويضع صانعي القرار أمام خيارات استراتيجية صعبة قد تعيد تعريف دور المملكة المتحدة على الساحة الدولية، خاصة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ التي تكتسب أهمية متزايدة. إن التفكير في التخلي عن مشروع بحجم AUKUS يعكس حجم الأزمة الداخلية التي تواجهها القدرات الصناعية والدفاعية البريطانية.

سلط ماتياس الضوء على التأخيرات المستمرة في تسليم غواصات الهجوم من فئة Astute. كما أشار إلى التحديات في تطوير غواصات باليستية من فئة Dreadnought. عانى البرنامجان من تجاوزات كبيرة في التكاليف. على الرغم من دخول السفينة السادسة من فئة Astute، تحت مسمى HMS Agamemnon، الخدمة في سبتمبر الماضي، إلا أن الأدميرال ماتياس أشار إلى أن “الحقيقة المرة هي أن بناءها استغرق أكثر من 13 عاماً، وهي أطول مدة بناء غواصة للبحرية على الإطلاق”. هذا التأخير لا يؤثر فقط على الجاهزية التشغيلية، بل يزيد من الأعباء المالية ويطيل أمد الاعتماد على الأصول القديمة.

سجل برامج التسليح

لم يكن الأدميرال السابق ماتياس وحده من لاحظ “سوء إدارة” برنامج الغواصات البريطانية. أبلغ المسؤول عن خطة بناء الغواصات البريطانية، سيمون كيس، لجنة الدفاع في البرلمان، في نوفمبر الماضي، أن “عقوداً من الإهمال” أضعفت هذه الصناعة بشدة. قال: “بطريقة ما، أصبحنا أكثر دولة نووية محرجة في العالم”. هذا الاعتراف الرسمي يكشف عن مشكلة هيكلية متجذرة تتجاوز مجرد إدارة مشروع واحد. في يونيو الماضي، جرى الكشف عن أن وزارة الدفاع البريطانية تخطط لتمويل توسيع أسطولها من غواصات الهجوم التي تعمل بالطاقة النووية إلى أكثر من ضعف حجمه الحالي، بهدف نشر 12 غواصة هجومية من الجيل التالي، بعدما كان الأسطول يضم 5 غواصات فقط آنذاك. هذا الطموح يبدو بعيد المنال في ظل التحديات الراهنة.

تأثرت برامج الأسلحة البريطانية، منذ الحرب الباردة، بسبب تجاوزات كبيرة في التكاليف ومشكلات في الأداء. ظهر هذا بوضوح على برنامج غواصات فئة Astute، من بين برامج أخرى. هذا يحد بشكل كبير من إمكانية نشر 12 غواصة من الجيل التالي بأقل من 40 مليار دولار. لا تستطيع غواصات فئة Astute نفسها الوصول إلى السرعات القصوى المصممة لها. كما أنها تعاني، من بين مشكلات أخرى، من تسريبات وعدد من مشكلات الموثوقية. هذا النمط من الإخفاقات يتكرر في مشاريع دفاعية أخرى، مما يثير تساؤلات حول فعالية عمليات الشراء والتطوير الدفاعي في المملكة المتحدة بشكل عام. لمزيد من التحليل حول التحديات التي تواجه الدفاع البريطاني، يمكن الرجوع إلى تقارير المؤسسات البحثية المتخصصة مثل المعهد الملكي للخدمات المتحدة (RUSI).

لوحظ اتجاه مستمر نحو خفض كبير في برامج التوريد الرئيسية. بدءاً من برنامج المدمرات من فئة Type 45، الذي شهد انخفاضاً حاداً في حجم الأسطول المخطط له إلى النصف بسبب تجاوزات التكاليف. وصولاً إلى أسطول طائرات F-35B الذي لا يُتوقع أن يصل إلى نصف العدد المخطط له وهو 138 طائرة. تُقدر تكلفة غواصة الهجوم من فئة Astute بأكثر من 2 مليار دولار لكل غواصة. بينما من المتوقع أن تبلغ تكلفة غواصات SSN-AUKUS من الجيل التالي نحو 4 مليارات دولار لكل غواصة، عند الأخذ في الاعتبار التضخم، والأجيال الجديدة من تقنيات الدفع، والتهدئة، والاتصالات، والأسلحة. هذه الأرقام الضخمة تضع ضغوطاً هائلة على الميزانية الدفاعية، وتجعل من الضروري إعادة تقييم الأولويات الاستراتيجية للمملكة المتحدة في عالم متغير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *