أبعد من العدوى: كيف تحمي اللقاحات صحتك من الأمراض المزمنة؟
دراسات علمية تكشف عن دور غير متوقع للتحصين في الوقاية من أمراض القلب والسكري وبعض أنواع السرطان عبر آلية الالتهاب الجهازي.

هل يمكن أن تكون الحقنة التي نتلقاها للوقاية من الإنفلونزا الموسمية خط دفاعٍ صامت ضد نوبة قلبية مستقبلية؟ قد تبدو الفكرة بعيدة عن المنطق للوهلة الأولى، لكن الأدلة العلمية المتراكمة تشير إلى أن فوائد اللقاحات تتجاوز بكثير مجرد الحماية من مسببات الأمراض المستهدفة، لتمتد وتساهم في تقليل مخاطر الإصابة بأمراض مزمنة شائعة.
لفهم هذه العلاقة، يجب أولاً أن ندرك أن العديد من الأمراض المعدية، مثل الإنفلونزا أو الالتهاب الرئوي، لا تقتصر آثارها على الأعراض الحادة والمباشرة. إنها تُطلق في الجسم حالة من الالتهاب الجهازي الشديد. هذا الالتهاب هو استجابة مناعية طبيعية، لكن عندما يكون مفرطًا، فإنه يضع ضغطًا هائلاً على مختلف أعضاء الجسم، بما في ذلك القلب والأوعية الدموية. فكر في الأمر كعاصفة داخلية تؤثر على كل شيء.

وهنا يكمن الدور الوقائي غير المباشر للقاحات. عبر منع العدوى الأولية أو تخفيف شدتها بشكل كبير، فإن اللقاحات تمنع حدوث هذه العاصفة الالتهابية من الأساس. على سبيل المثال، أظهرت دراسات متعددة أن لقاح الإنفلونزا يقلل بشكل ملموس من خطر الإصابة بالنوبات القلبية والسكتات الدماغية، خاصة لدى كبار السن والأشخاص الذين يعانون من أمراض قلبية موجودة مسبقًا. الآلية بسيطة وواضحة: منع الإنفلونزا يمنع الالتهاب الحاد الذي قد يزعزع استقرار الترسبات الدهنية (Plaques) في الشرايين، وهو ما يؤدي غالبًا إلى الجلطات.
العلاقة تصبح أكثر مباشرة عند الحديث عن بعض أنواع السرطان. لقاح فيروس الورم الحليمي البشري (HPV) هو مثال صارخ. إنه يمنع الإصابة بالفيروس المسؤول عن الغالبية العظمى من حالات سرطان عنق الرحم. كذلك، يقي لقاح التهاب الكبد B من عدوى فيروسية مزمنة قد تتطور إلى تليف الكبد وسرطان الكبد. في هذه الحالات، اللقاح ليس مجرد وقاية من فيروس، بل هو أداة لمنع السرطان بشكل مباشر.
حتى بالنسبة لأمراض مثل السكري، تلعب اللقاحات دورًا داعمًا. الإصابة بعدوى شديدة يمكن أن تسبب اضطرابًا حادًا في مستويات السكر في الدم، مما يؤدي إلى مضاعفات خطيرة. الوقاية من هذه العدوى تعني استقرارًا أفضل للحالة الصحية العامة للمريض.
إذًا، اللقاحات تعمل كدرع مزدوج. هي لا تحمي فقط من الغزو الفيروسي أو البكتيري، بل تحمي أيضًا الجسم من التداعيات الالتهابية طويلة الأمد التي تمهد الطريق للأمراض المزمنة. إنها استثمار في صحتك الحالية والمستقبلية، وأحد أقوى الأدوات المتاحة في الطب الوقائي الحديث.
لمزيد من المعلومات حول فوائد التحصين، يمكنك زيارة صفحة [منظمة الصحة العالمية حول التمنيع](https://www.who.int/health-topics/vaccines-and-immunization).









