معرض ISE 2026 يختتم فعالياته محققًا أرقامًا قياسية ويكشف عن مستقبل الأنظمة المتكاملة
أكثر من 92 ألف زائر و1750 عارضًا في أكبر نسخة لمعرض ISE على الإطلاق.

في قلب برشلونة الساحرة، أسدلت فعاليات معرض الأنظمة المتكاملة الأوروبي (ISE 2026) الستار على نسخته الأضخم على الإطلاق، تاركةً وراءها صدىً مدوياً من الابتكار والتحولات التكنولوجية. من الثالث وحتى السادس من فبراير، شهدت أروقة “فيرا دي برشلونة” تدفقًا بشريًا غير مسبوق، حيث غمرت الطاقة الكهربائية الأجواء، مؤكدة أن ISE 2026 لم يكن مجرد لقاء مهني “بارد”، بل احتفالية ضخمة بالإبداع والتقدم، أتاحت لنا فرصة نادرة لإلقاء نظرة متعمقة على المستقبل واستشراف تطورات عالم المنتجات السمعية والبصرية. ومع خفوت أضواء المعرض، وعودة العارضين إلى قواعدهم، حان الوقت لاستعراض أبرز ما جرى في هذه الأيام الأربعة التي رسمت ملامح واضحة لمسار أنظمة الصوتيات والمرئيات في المدى القريب والبعيد.
### نظرة على المستقبل… اليوم!
الأرقام الرسمية وحدها كفيلة بأن تحكي قصة نجاح باهر؛ فقد استقطب المعرض 92,170 زائرًا فريدًا من شتى بقاع الأرض، ليحفر اسمه في سجلات التاريخ كأكبر دورة لمعرض ISE على الإطلاق. وعلى مساحة تجاوزت 101,000 متر مربع، توزعت أجنحة أكثر من 1,750 عارضًا، منهم عمالقة الصناعة مثل سامسونج وإبسون وسوني وباناسونيك وكانون وإل جي وجي بي إل وسيسكو ولوجيتك وشارب، مقدمين أحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا. ومن اللافت أن يوم الأربعاء وحده شهد استقبال أكثر من 64,000 شخص في وقت واحد، وهو رقم يضاهي حضور دورات كاملة سابقة، ما يؤكد أن الحاجة للتفاعل المباشر والتجربة الحية للتقنية باتت أقوى من أي وقت مضى.
على الصعيد التقني، بقيت الصورة هي البطل المطلق، لكن بأساليب كانت حتى وقت قريب أقرب للخيال العلمي. تقنيات “مايكرو ليد إن باكيدج” و”شيب أون جلاس” الجديدة من شركات رائدة مثل إل جي وسامسونج، دشنت عصرًا جديدًا للشاشات، بألواح ذات حواف شبه غير مرئية وسطوع مذهل، لتغدو مثالية للمساحات الفاخرة ومشاريع التصميم المعماري المبتكرة. تخيلوا كيف يمكن لهذه الشاشات أن تحول واجهات المتاجر الكبرى في دبي أو مراكز التسوق الفاخرة في الرياض إلى لوحات فنية رقمية نابضة بالحياة، أو تضفي لمسة عصرية على قاعات المؤتمرات في القاهرة.
في موازاة ذلك، رسخت الشاشات العريضة بنسبة 21:9 وبدقة 5K مكانتها كمعيار جديد لمساحات العمل الحديثة، لتحل محل صيغة 16:9 التقليدية. هذه الشاشات توفر “لوحة رقمية” أوسع لدعم الاجتماعات الهجينة وأنظمة المؤتمرات المرئية المتقدمة، مانحة مساحة أكبر لعرض المحتوى والمشاركين في آن واحد، مما يخلق تجربة أكثر شمولية، على غرار “مايكروسوفت تيمز فرونت رو”. هذا التوجه، الذي لاحظناه بوضوح، يمتد ليشمل شاشات العرض الرقمي (Digital Signage)، حيث تتيح الأسطح الطويلة سردًا قصصيًا أكثر سينمائية في المتاجر والأماكن العامة، مما يعزز تجربة المستخدمين في مدن مثل أبوظبي أو الدوحة التي تتجه نحو الرقمنة الشاملة.
لكن الثورة الحقيقية هذا العام اختبأت خلف الشاشات، في البنى التحتية التي تجعل كل شيء يعمل بتناغم. يبدو أن معيار IPMX قد حسم معركة قابلية التشغيل البيني (Interoperability) بشكل نهائي، مما يسمح للأجهزة من مختلف الشركات المصنعة بالتواصل بسلاسة عبر شبكات بروتوكول الإنترنت (IP). هذا التحول نحو المعايير المفتوحة يقلل من تكلفة وتعقيد التركيبات، جاعلًا التكنولوجيا أكثر سهولة ومرونة، وهو أمر حيوي لتطوير البنى التحتية الذكية في مدننا العربية.
ولأول مرة في تاريخ ISE، تصدر الأمن السيبراني (Cybersecurity) واجهة الاهتمام. فمع تزايد اتصال شاشات العرض الرقمي وأنظمة المؤتمرات المرئية بالحوسبة السحابية (Cloud)، يمكن أن تصبح أهدافًا محتملة للهجمات السيبرانية. في ISE 2026، رأينا تعاونًا وثيقًا بين المتخصصين في تركيب الأنظمة السمعية البصرية وخبراء الأمن السيبراني. وما بات واضحًا خلال المعرض هو أن أمن نقاط النهاية (Endpoints)، والشبكات ذات الثقة المعدومة (Zero-trust networking)، ونقل البيانات المشفر (Encrypted data transmissions) لم تعد “إضافات اختيارية”، بل هي حجر الزاوية لأي تركيب جاد. إن إدراك أن كل شاشة رقمية تمثل الآن نقطة ضعف محتملة في الشبكة، دفع نحو حلول حماية وإدارة جديدة، مع التركيز بشكل هائل على جودة الكابلات وتوفير الطاقة عبر الإيثرنت (PoE)، وهي عناصر غالبًا ما يتم التغاضي عنها، لكنها تشكل العمود الفقري لأي مشروع ناجح، لا سيما في مشاريع المدن الذكية التي تشهدها المملكة العربية السعودية والإمارات.
بالطبع، لم يغب الذكاء الاصطناعي (AI) عن المشهد، بل كان حضوره ملموسًا في ISE هذا العام، لكن بدور أكثر “عملية”. في قاعات المعرض ببرشلونة، لم نرَ فقط الذكاء الاصطناعي الذي يولد الصور، بل رأينا ذكاءً اصطناعيًا يحسن العمليات ويرفع من كفاءتها. أنظمة تضبط الصوت والإضاءة تلقائيًا حسب عدد الأشخاص في الغرفة، وخوارزميات تتنبأ بموعد تعطل الشاشة (الصيانة التنبؤية)، وكاميرات ذكية تجعل العمل الهجين يبدو طبيعيًا تمامًا. بلا شك، أصبح الذكاء الاصطناعي في ISE 2026 “المساعد الخفي” الذي يجعل الأنظمة أكثر إنتاجية وفعالية، وهو ما يتماشى مع رؤى الدول العربية في توظيف هذه التقنيات لتعزيز كفاءة القطاعات المختلفة.
وبعيدًا عن الرقائق والكابلات، استثمر ISE 2026 بقوة في العنصر البشري والإبداع من خلال مبادرات جديدة مثل “سبارك” (Spark). هذا الشكل الجديد جمع عوالم البث التلفزيوني والتصميم والفعاليات المباشرة، مبينًا كيف يمكن للتكنولوجيا أن تحول تجربة المشاهد إلى شيء آسر حقًا. وقد ألهبت الكلمات الرئيسية لمات كلارك وسول راشيدي حماس الجمهور، حيث كشف كلارك عن أسرار تقنية “بروجكشن مابينج” في “كازا باتيو”، وقدمت راشيدي نظرة واقعية لمستقبل الذكاء الاصطناعي والقيادة. بالإضافة إلى ذلك، أظهر تأسيس “مؤسسة ISE” التزام الصناعة بالمسؤولية الاجتماعية والتعليم، بدعم من السلطات المحلية في برشلونة وكاتالونيا.
### الأنظار تتجه نحو ISE 2027!
مع إغلاق أبوابه، ترك ISE 2026 وراءه شعورًا بالتفاؤل والثقة. وكما أكد مايك بلاكمان، مدير المعرض، فإن هذا العام لم يكن مجرد نجاح بالأرقام، بل دليل على قوة المجتمع. فالتكنولوجيا لم تعد جزءًا منفصلاً عن حياتنا، بل عنصرًا عضويًا يثري ويسهل روتيننا اليومي، من المكتب إلى الشارع والمنزل. لقد أثبتت برشلونة مرة أخرى أنها المسرح المثالي لهذه الرحلة الرقمية في عالم المنتجات السمعية البصرية الاحترافية، وجميعنا نجدد موعدنا لعام 2027، في انتظار ما سيبتكره “خبراء التكنولوجيا” البارعون المتخصصون في منتجات B2B التقنية.









