رمضان: من انتصار النفس إلى قهر الجيوش.. وصرخة الوزارة في وجه تقصير الأزواج!
رحلة في أيام الله الخالدة.. كيف صاغ الصوم الأبطال؟ ولماذا صار عون الزوج لزوجته ضرورة نبوية وملحة؟

رمضان ليس مجرد أيام معدودة في التقويم. هو معارك لا تتوقف، ساحات للظفر بالذات، ومنصات لانطلاق أمجاد أمة بأكملها. شهر لم يكن الصوم فيه إجازة من العمل، بل وقوداً لتحطيم أعتى القيود والانتصار على أشد الأعداء.
إن قوة الإرادة التي يصقلها الصيام، هذا الانتصار الداخلي على الأهواء والشهوات، هو ذاته السِر الذي حول قلة قليلة إلى جيوش لا تُقهر. هكذا تُفهم مقولة النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس الشديد من غلب الناس، إنما الشديد من غلب نفسه». هذا هو الجهاد الأكبر الذي يسبق كل جهاد في الميادين، وتُصقل فيه النفوس والعزائم.
على تلك الروح، عبر جيش مصر العظيم قناة السويس، محطماً خرافة «الجيش الذي لا يُقهر» في العاشر من رمضان، السادس من أكتوبر ١٩٧٣. لم يكن الجنود المصريون يفطرون، رغم رخصة الشرع، بل كانت أرواحهم تتوق إلى الجنة، يرددون «الله أكبر» وتزلزل الأرض من تحت أقدام المحتل. مفاجأة مذهلة أذهلت العالم. روح معنوية عززها الشيخ عبد الحليم محمود، إمام الأكبر الراحل، برؤياه النبوية التي بشرت بالنصر ورفع راية «الله أكبر».
وقبل قرون بعيدة، وفي السنة الثانية للهجرة، لم يكد يفرض الصيام حتى كان موعد معركة بدر الكبرى. وكأن الله أراد للنفوس أن تتطهر وتصبر لتكون مؤهلة للنصر. يوم بدر، فصل فارق بين الحق والباطل. قلة قليلة، منهكة بالصيام، واجهت جيشاً متغطرساً، فكان المدد الإلهي: الملائكة تنزل. النعاس أمنة. الماء يطهر. القلوب تُربط. والأقدام تثبت. نصر لم يكن ليتحقق لولا طاعة الله ورسوله، والبعد عن التنازع. يقول ربنا: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾. قصة من يوم بدر يرويها عبد الله بن مسعود: كانوا ثلاثة على بعير واحد، منهم أبو لبابة وعلي ورفيقهم رسول الله. وحين جاء دور الرسول للمشي، عرضا عليه أن يمشيا بدلاً عنه، فأبى قائلاً: «ما أنتما بأقوى مني ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما».
هذه الروح نفسها هي من فتحت مكة في رمضان الثامن من الهجرة، محولةً يوم الفتح إلى «يوم المرحمة». النبي، قائد الجيوش، يضرب أروع الأمثلة في الصفح والعفو، قائلاً لمن ناصبه العداء: «اذهبوا فأنتم الطلقاء». رحمة. مغفرة. أمن. سلام. هي قيم رمضان التي أخرجت الأمة من حدود الجزيرة إلى العالمية، حاملة قيم العدل، ومبشرة بالحرية، حتى بلغت الأندلس.
ثم تعود مصر لتكتب التاريخ من جديد. عين جالوت، في يوم الجمعة الخامس والعشرين من رمضان عام ٦٥٨هـ. جيوش التتار التي اكتسحت العالم وقتلت الملايين، محطمة الخلافة، وجدت صخرة تتكسر عليها عند المصريين. بقيادة سيف الدين قطز، الذي رأى في منامه رسول الله يبشره بالملك وكسر التتار. انتصار خالد. ملحمة بطولية تُروى اليوم كدرس في الصمود.
هكذا يبقى جيش مصر، «خير أجناد الأرض» كما وصفه النبي صلى الله عليه وسلم، في رباط إلى يوم القيامة، رغم كيد الكائدين. جيش يُدحض الأعداء، ويسترد الأوطان، ويحمي الأعراض، ويفرض إرادته العادلة على سيناء الحبيبة. قوة لا تلين. درس في الشجاعة والتخطيط والبسالة، يدرس اليوم في أعرق الكليات العسكرية.
توازن الأسرة اليوم على المحك. الشراكة الزوجية تتعرض لضغط هائل، ليس من الخارج، بل من داخل البيوت. فظاهرة عدم مساعدة الزوج لزوجته في الأعباء اليومية لم تعد مسألة ثانوية، بل تحدٍ يهدد دفء العلاقة واستقرار البيت بأسره.
في زمن تغيرت فيه أدوار المرأة وتزايدت التزاماتها، بات التعاون المشترك ضرورة لضمان حياة أسرية صحية. متى يصبح عون الزوج لزوجته ضرورة؟ الجواب بسيط وواقعي: حين يجهدها التعب، ينهكها المرض، تتراكم عليها أعباء الأطفال ومتطلبات البيت. فليس من المنطق أن نطالبها بما يفوق طاقتها، ثم نلومها على التقصير. إنها إنسانية العلاقة قبل كل شيء. والأصل ألا تُكلف المرأة ما لا تطيق، فإن كُلفت، وجب العون.
الرحمة والإحسان. تلك هي القيم التي تجعل الزوج قائداً في بيته، لا حاكماً. وحين يتعلق الأمر بالتعاون، فالبوصلة النبوية واضحة. لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد الرجال فحسب، بل سيد المعاونين في بيته. «كان يكون في مهنة أهله»، هكذا وصفت السيدة عائشة رضي الله عنها، يخصف نعله، يخيط ثوبه، يحلب شاته، ويعمل في بيته كما يعمل أحدنا في بيته، بل و«كان يفلي ثوبه ويخدم نفسه». يقطع عمل الدنيا ليقف للصلاة. قدوة لا نظير لها.
أليست الرجولة كمالاً لا ينقصه عون العيال؟ «لا يُنقِصُ الكامِلُ مِن كَمالِهِ * ما جَرَّ مِن نَفعٍ إِلى عيالِهِ». هذه حكمة الإمام علي كرم الله وجهه. فماذا عن القادة؟ أبو عبيدة أميرٌ يحمل دلوه للحمام. أبو هريرة خليفة مروان، يحمل حزمة حطب في السوق ويقول: «أوسعوا الطريق للأمير يا ابن مالك». عمر بن الخطاب، يمشي في الأسواق بيده اللحم والدرة. علي مرة أخرى، يرفض أن يحمل عنه أحد اللحم قائلاً: «أبو العيال أحق أن يحمل». هذه ليست مجرد قصص. إنها دروس عميقة في مفهوم القوامة والمشاركة. حين تتخلى عن هذه الروح، تفقد الأسرة استقرارها. فكيف يمكن أن نربي أبناء على الشراكة والمسؤولية وهم يرون أحد الوالدين يتنصل من واجباته؟
تبقى الزوجة الصابرة، حتى لو قصر الزوج، لها الجزاء الأوفى. خدمتها لزوجها ولأولادها عمل صالح يشفع لها عند الله تعالى، وعليها ألا تجعل من هذا الأمر مشكلة وتختلف معه. تذكروا قصة فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم، وزوجها علي، حين شكت إليهما إرهاق العمل، من جرِّ الرحى واستقاء القربة وكنس البيت، وطلبا خادماً. فلم يجد النبي إلا أن يرشدهما إلى عون من الله: التسبيح ثلاثاً وثلاثين، التحميد ثلاثاً وثلاثين، والتكبير أربعاً وثلاثين قبل النوم. إنه درس في الاستعانة بالله، ولكنه ليس تصريحاً للزوج بالتخلي عن واجبه الإنساني.
فما العمل؟
الاقتداء بالرسول الكريم، الذي جعل العون جزءاً أصيلاً من رجولته، لا نقصاً فيها.
مراعاة الزوجة في أوقات شدتها، حملها، مرضها، أو كثرة مهامها.
الدعم العاطفي والنفسي، فالكلمة الطيبة والمشاركة الوجدانية لا تقل أهمية عن الجهد البدني.
مشاركة حقيقية في تربية الأبناء، حواراً ومتابعة وغرس قيم، لا مجرد إلقاء للمسؤولية بأكملها.
وأخيراً، حل الخلافات بهدوء، بروح الشراكة الحقيقية، لا بروح الغلبة. فالبيت لا يُبنى على التنافس، بل على التعاون.









