في خطوة تُعد نقلة نوعية في عالم الذكاء الاصطناعي التوليدي، تتجه شركة OpenAI، الرائدة في هذا المجال، نحو دمج قدرات نموذجها المبتكر لتوليد الفيديو “سورا” (Sora) ضمن منصتها الشهيرة “شات جي بي تي” (ChatGPT). وتشير التقارير الصادرة عن مجلة “ذا إنفورميشن” المتخصصة إلى أن هذه الخطوة الاستراتيجية من شأنها أن تعيد إحياء زخم تقنيات إنشاء الفيديو المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وتفتح آفاقاً جديدة لجذب أعداد غير مسبوقة من المستخدمين.
لم تكن رحلة “سورا” منذ إطلاقه الأول، مع تطبيق خاص به في عام 2025، ثم النسخة المحسنة “سورا 2” في سبتمبر من نفس العام، خالية من التحديات. فبعد موجة أولية من الإقبال الكبير على قدرته على إنتاج مقاطع فيديو قصيرة من خلال أوامر بسيطة، بدأ الاهتمام يتراجع تدريجياً. هذا التباطؤ كان مدفوعاً بشكل رئيسي بالقيود المفروضة على عدد ونوعية الفيديوهات التي يمكن للمستخدمين إنشاؤها، مما حدّ من التجربة الإبداعية. إنها ظاهرة ليست بجديدة في عالم التكنولوجيا؛ فكثيراً ما شهدنا كيف أن التقنيات الثورية، على غرار برامج التحرير المرئي المبكرة في تسعينيات القرن الماضي أو حتى أجهزة الحاسوب الشخصي في بداياتها، تحتاج إلى فترة من التكيف والتطوير المستمر لتجاوز مرحلة “الانبهار الأولي” وتصبح جزءاً لا يتجزأ من الاستخدام اليومي للملايين، وهو ما يبدو أن “سورا” يسعى لتحقيقه الآن.
هنا تكمن القوة الدافعة لقرار الدمج؛ فمنصة “شات جي بي تي” لا تمثل مجرد أداة أخرى، بل هي نظام بيئي ضخم يضم قاعدة مستخدمين تتجاوز 900 مليون مستخدم نشط أسبوعياً، وفقاً لما أعلنته الشركة في فبراير الماضي. هذا التجمع الهائل من المستخدمين يمنح “سورا” فرصة ذهبية لتجاوز قيود الانتشار التي واجهها كتطبيق مستقل. وتأمل OpenAI من خلال هذه الخطوة الجريئة، أن تدفع بمنصتها نحو تحقيق إنجاز تاريخي بالوصول إلى حاجز المليار مستخدم، مستفيدة من جاذبية القدرة على توليد الفيديو.
وعلى الرغم من هذا الدمج المرتقب، يُتوقع أن يستمر تطبيق “سورا” ككيان مستقل، إلا أن مؤشرات تراجع شعبيته لا تخفى على أحد. فقد خرج التطبيق بالفعل من قائمة أفضل 100 تطبيق مجاني على متجر “آب ستور” الشهير، كما أن نسبة ضئيلة فقط من مستخدميه تقوم بمشاركة مقاطع الفيديو التي ينشئونها علناً. هذه الأرقام تعكس تحدياً حقيقياً في الاحتفاظ بالجمهور، وتؤكد الحاجة الماسة إلى استراتيجية جديدة لدفع عجلة الابتكار والوصول.
في صميم التحديات التي تواجهها OpenAI تبرز مسألة التكلفة التشغيلية الهائلة لهذه التقنيات المتطورة. ورغم صعوبة تحديد التكلفة الدقيقة لإنتاج كل مقطع فيديو، إلا أن البيانات المتوفرة تشير إلى أعباء مالية كبيرة. فعلى سبيل المثال، تفرض الشركة على عملاء واجهة برمجة التطبيقات (API) رسوماً تصل إلى حوالي 0.10 دولار أمريكي لكل ثانية من الفيديو بدقة 720p. وإذا ما ترجمنا هذا الرقم إلى السياق المحلي، فإن إنتاج ثانية واحدة من الفيديو قد يكلف حوالي 4.7 جنيه مصري (بناءً على سعر الصرف التقريبي)، مما يعني أن دقيقة واحدة قد تتجاوز 280 جنيهاً مصرياً. وفي السابق، كان تطبيق سورا يوفر للمستخدمين ما يصل إلى 30 مقطع فيديو مجانياً يومياً، وهو نموذج لم يعد مستداماً في ظل التوسع المتوقع.
ومع التوقع بانضمام مئات الملايين من المستخدمين الجدد إلى “شات جي بي تي” بعد دمج “سورا”، فإن هذه التكاليف مرشحة للارتفاع بشكل غير مسبوق. وتشير التقديرات المالية إلى أن OpenAI قد تضطر إلى إنفاق أكثر من 225 مليار دولار أمريكي على موارد الحوسبة (inference) خلال الفترة من عام 2026 إلى 2030 وحدها، وهو رقم فلكي يعكس حجم الاستثمار المطلوب لتشغيل هذه البنية التحتية الضخمة للذكاء الاصطناعي.
لمعالجة جزء من هذه الأعباء المالية المتزايدة، لجأت الشركة سابقاً إلى نماذج تسعير قائمة على “الرصيد” في تطبيق “سورا” المستقل. ومن المتوقع أن يتم تطبيق نظام مماثل في “شات جي بي تي”، حيث سيُسمح للمستخدمين بإنشاء عدد محدود من مقاطع الفيديو مجاناً، ثم سيتعين عليهم شراء رصيد إضافي لإنتاج المزيد من المحتوى المدفوع. هذا النموذج يضمن استمرارية الخدمة مع تغطية جزء من تكاليف التشغيل الضخمة.
في المحصلة، يمثل دمج “سورا” في “شات جي بي تي” فصلاً جديداً في مسيرة الذكاء الاصطناعي التوليدي. إنه يقربنا خطوة أخرى نحو مستقبل يمكن فيه للمستخدمين، سواء كانوا مبدعين أو صحفيين أو مجرد هواة، إنتاج ليس فقط النصوص والصور الثابتة، بل ومقاطع فيديو كاملة ومعقدة، بمجرد بضع كلمات بسيطة، مما يفتح آفاقاً لا حدود لها للإبداع الرقمي.
