في تطور لافت يبرز تزايد حدة الصراع بين عمالقة المعرفة التقليدية وشركات الذكاء الاصطناعي، أعلنت الموسوعة البريطانية (Encyclopædia Britannica, Inc.) رفع دعوى قضائية ضد شركة OpenAI، المطوِّرة الشهيرة لـ ChatGPT. تتهم الموسوعة، التي تُعد مرجعاً عالمياً للمعرفة، الشركةَ بالاستخدام غير المصرح به لمحتوياتها، متضمنةً ما يقارب 100 ألف مقال، وزعمت أن نماذج الذكاء الاصطناعي “تلتهم” حركة المرور إلى موقعها الإلكتروني عبر تقديم ملخصات لمحتواها الأصلي.
جاءت هذه الدعوى لترى النور يوم الجمعة الماضي أمام محكمة في نيويورك، حيث أكدت الموسوعة البريطانية أن OpenAI استنسخت كميات ضخمة من محتواها، وكذلك من قواميس شركة Merriam-Webster التابعة لها، دون الحصول على أي إذن أو ترخيص مسبق، ودون تقديم أي تعويض مادي مقابل هذا الاستخدام.
وحسب ما جاء في الدعوى، تستغل أدوات مثل ChatGPT المحتوى الموثوق وعالي الجودة الذي تقدمه الموسوعة لتقديم إجابات جاهزة، والتي تتطابق أحياناً حرفياً مع المصدر الأصلي. ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل إن الملخصات التي تُولدها تقنيات الذكاء الاصطناعي تؤثر سلباً على عدد زيارات موقع الموسوعة على الإنترنت، ما يتسبب في خسائر مالية كبيرة.
الموسوعة البريطانية تطلق سهامها الثقيلة ضد OpenAI وChatGPT
تصوير: سولين فييسا عبر أنسبلاش
وليست الموسوعة البريطانية هي الكيان الأول الذي يلجأ إلى الإجراءات القانونية ضد OpenAI بسبب استخدام محتواها دون إذن. فخلال السنوات الأخيرة، تزايدت أعداد الدعاوى القضائية المرفوعة من صحف ودور نشر ومؤلفين ضد مطوري ChatGPT لذات السبب، ما يعكس تحدياً متنامياً في قطاع النشر والملكية الفكرية.
في ردها على هذه القضية الجديدة، أرسل متحدث باسم الشركة الكاليفورنية بياناً مقتضباً لوكالة رويترز، أشار فيه إلى أن نماذج الذكاء الاصطناعي من OpenAI “تدفع عجلة الابتكار”، وأنها تُدرب على معلومات متاحة للجمهور ضمن معايير “الاستخدام العادل”. ويُعد هذا الأخير هو الحجة الرئيسية التي تستخدمها معظم الشركات للدفاع عن نفسها في مثل هذه المواقف.
لكن ما يزال الغموض يكتنف تعريف “المعلومات المتاحة للجمهور”. فكون المحتوى متاحاً على الإنترنت دون مقابل لا يعني بالضرورة أنه مجاني لجميع حالات الاستخدام، أو أنه غير خاضع لحقوق الطبع والنشر. هنا تكمن المعركة القانونية الكبرى للمدّعين، مثل الموسوعة البريطانية، ضد الاستخدام غير المصرح به في ChatGPT وروبوتات الدردشة الأخرى.
وبعيداً عن نسخ آلاف المقالات، يشكل “الاستيلاء” على زيارات الموقع الإلكتروني مشكلة كبرى للموسوعة البريطانية. يجب أن نضع في الاعتبار أن هذه المطبوعة العريقة توقفت عن الإصدار الورقي نهائياً في عام 2012، وكانت نسخة عام 2012 هي الأخيرة المطبوعة. ومنذ عام 2016 وحتى الآن، ركز القائمون عليها بشكل كامل على النسخة الرقمية عبر الإنترنت، لذا فإن أي أمر يؤثر على حركة المستخدمين يمكن أن يحمل عواقب سلبية للغاية.
وتطالب الموسوعة البريطانية وMerriam-Webster بوقف فوري لعملية نسخ محتوياتهما لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي الخاصة بـ ChatGPT. كما تطالبان بتعويض مالي عن الأضرار اللاحقة، واستعادة الأرباح التي فقداها جراء هذا الاستخدام غير المشروع.
