«If I Had Legs, I’d Kick You»: تحفة سينمائية تفكك «سجن الأمومة» بجرأة صادمة
فيلم «If I Had Legs, I’d Kick You» يثير الجدل ويحصد الجوائز بتصويره الجريء لتحديات الأمومة

لم يكن فوز النجمة الأسترالية روز بيرن بجائزة جولدن جلوب لأفضل ممثلة عن دورها في فيلم «If I Had Legs, I’d Kick You» مفاجئاً، فقد حصدت بيرن تقريباً كل جوائز التمثيل في المهرجانات والمسابقات التي شارك فيها الفيلم، بدءاً من الدب الفضي في مهرجان برلين، وصولاً إلى غالبية جوائز جمعيات النقاد والجمعيات السينمائية التي أعلنت عن تكريماتها حتى الآن.
ورغم أن أداء بيرن يعد الأبرز والأكثر إثارة للإعجاب في العمل السينمائي، إلا أن وراء هذا التألق، ووراء العناصر الأخرى التي صقلت وأبرزت أداءها، تقف امرأة أخرى هي مخرجة ومؤلفة الفيلم، ماري برونستين.
برونستين، وهي ممثلة أيضاً، يتركز نشاطها الأساسي في الإخراج والكتابة. سبق لها أن قدمت ثلاثة أفلام، كان «Yeast» عام 2008 أولها وأشهرها، لكن أياً منها لم يحظَ بالتقدير والنجاح الذي ناله فيلم «If I Had Legs, I’d Kick You».
يمكن تلخيص سر هذا الفيلم، الذي ورد اسمه في معظم استطلاعات الرأي حول أفضل أفلام عام 2025، في جرأته على التعبير عن موضوع شديد الألفة والعمومية، يكاد لا يخلو منه بيت، وذلك بأسلوب فني شخصي ومبتكر وصادم للغاية.
يتناول الفيلم العلاقة المعقدة بين الأمهات وأطفالهن في المراحل الأولى من حياتهم، خصوصاً عندما يكون هؤلاء الأطفال مرضى أو يعانون من حالات خاصة تتطلب رعاية الأم وتواجدها المستمر. هذا الواقع يولد معاناة بدنية ونفسية قاسية، ومشاعر مضطربة ومتناقضة لا يُسمح بالتعبير عنها، نابعة من مزيج من الحب الشديد، والقلق العميق، والخوف، والضيق من كل هذه المشاعر المتراكمة.
سجن اسمه الأمومة
على مدى ساعتين تقريباً، تعيش ليندا (روز بيرن)، الشخصية الرئيسية في الفيلم وهي طبيبة نفسية، داخل ما يشبه السجن، في كابوس لا ينتهي. تجد نفسها مقيدة بابنتها التي لم تتجاوز السابعة من عمرها، والتي تعاني من مشكلة في الأكل تستدعي وضع أنبوب دائم في بطنها لتغذيتها صناعياً. في خضم هذه الظروف، تعجز ليندا عن أداء عملها بكفاءة ومساعدة مرضاها، ولا تجد أي عون، حتى من طبيبها النفسي. تبدو الدائرة مغلقة على الجميع داخل ذواتهم المريضة، عاجزين عن الخروج منها أو تقديم المساعدة أو تلقيها. هذا الشعور يتأكد عبر خط درامي فرعي يتناول قصة أم أخرى تتخلى عن طفلها وتهرب.
تستكشف المخرجة ماري برونستين أقصى درجات التطرف في التعبير عن أزمة ليندا، أو بالأحرى، عن مشاعرها وأفكارها وهلاوسها تجاه الأزمة. تتراكم المواقف اليومية ضد ليندا: اصطحاب ابنتها إلى المستشفى، صعوبة إيجاد مكان لركن السيارة، علاقتها المتوترة بحارس المرآب، الطبيبة التي تصر على حاجة الطفلة لمزيد من الرعاية، مرضاها المزعجون، طبيبها النفسي الذي يبدو منزعجاً منها، زوجها القبطان البحري الغائب، والدتها التي تكتفي بالاتصالات الهاتفية، وعدم قدرتها على النوم بسبب صوت مضخة الأنبوب المتصل ببطن ابنتها. يضاف إلى ذلك كله انهيار جزء من سقف شقتها وغرقها بالمياه، مما يضطرها للانتقال إلى موتيل صغير، حيث تقضي لياليها في الشارع تدخن الماريجوانا وتشرب الخمر، لتستيقظ في الصباح نصف واعية، مما يزيد من تفاقم معاناتها.
الهيستيريا كأسلوب فني
لوصف الأسلوب الفني الذي اعتمد عليه الفيلم، لا توجد كلمة أنسب من «الأسلوب الهيستيري»، أو بتعبير أكثر علمية، «الأسلوب التعبيري الذاتي» الذي يهدف إلى نقل الحالة النفسية للشخصية. تتجلى هذه التقنية في كاميرا تتحرك باستمرار، قريبة جداً تكاد تلتصق بالبطلة، وزوايا تصوير منحرفة ولقطات ضيقة للغاية، حتى أثناء قيادتها للسيارة في الشارع، حيث لا نكاد نرى محيطها.
يساهم تصميم المناظر والألوان في إيحاء بجو السجن، ويُستخدم الصوت والمؤثرات المستوحاة من أفلام الرعب والفانتازيا، كما يظهر في مشهد تسرب المياه وانهيار السقف الطويل. من أغرب القرارات الفنية عدم ظهور الطفلة نفسها طوال الفيلم، وكأنها كيان شبحي أو مسخ يثير كل هذا الفزع. يضاف إلى ذلك، بالطبع، الأداء الاستثنائي لروز بيرن.
يُصنف أداء بيرن ضمن الأدوار التي تُصمم للفوز بالجوائز؛ إذ يشغل مساحة زمنية هائلة من الفيلم، وكأننا أمام «مونودراما» لممثل واحد. إنه أداء مسرحي خارجي يتطلب انفعالات صاخبة وعصبية ومتطرفة أحياناً، يصل إلى أقصى تعبيرات الوجه ولغة الجسد واللغة المنطوقة. هذا النمط من الأدوار يجسد مقولة الممثل: «انظروا إلي، أنا هنا، أستعرض كل مهاراتي، فهل من منافس؟».
لكن التحدي الأكبر، والذي يتجاوز استعراض المهارة التمثيلية، يكمن في قرار المخرجة والمؤلفة بجعل الشخصية بلا مزايا إيجابية، غير قادرة على مساعدة الآخرين أو التعامل معهم بلطف. يتضح ذلك عندما تتخلى عن شاب يحاول مساعدتها، مما يتسبب في كسر ساقه، ثم تتركه وتهرب. بل إنها تبدو مزعجة أحياناً، وتتعامل بحدة غير مبررة مع طبيبة الطفلة ومعالجها النفسي، وفي جميع الأحوال، لا تثير تعاطف المشاهد.
تُحسب هذه الشجاعة لبرونستين وبيرن، وإن كانت قد تدفع البعض إلى النفور من الفيلم أو الشعور بالتوتر وعدم الارتياح. فبينما يسعى معظم صناع الأفلام لكسب تعاطف الجمهور، يركز «If I Had Legs» ويحشد كل عناصره وجهده لنقل الحالة الكابوسية المروعة التي تمر بها الشخصية مباشرة إلى وعي المشاهد.
كوميديا سوداء
الجانب الأكثر غرابة في فيلم «If I Had Legs» هو كونه، رغم كل ما ذكر، فيلماً «كوميدياً»، لكنه لا يسعى إطلاقاً لتقديم الكوميديا بشكل مباشر.
تنبع الكوميديا في العمل من حقيقة أن الواقع الذي تعيشه البطلة يشبه التجارب اليومية للكثير من المشاهدين، خاصة أولئك الذين عايشوا أو سمعوا عن حالات صعبة تمر بها الأمهات، خصوصاً مع طفل مريض. لكن هذا الواقع المألوف يُصوَّر هنا بطريقة عبثية وسريالية، تفوق قدرة الشخصية الرئيسية على الاحتمال، مما يثير الدهشة والابتسام، وحتى الضحك أحياناً، من ردود أفعالها المتطرفة وغير المتوقعة. يبدو الأمر وكأن صانعة الفيلم، بطريقة ما، تساعد نفسها والمشاهدات على تفريغ شحنة الغضب والاستياء الكامنة داخلهن.
يعبر عنوان الفيلم الطريف «لو كان لدي قدمان لركلتك بهما» عن طبيعة هذه الكوميديا السوداء. لا يتضح تماماً من يقصد بهذه العبارة في الفيلم؛ هل هي الأم التي ترغب في ركل طفلتها، أم المحيطون بالأم الذين لا يطيقون عصبيتها، أم الطفلة المستاءة من إهمال أمها، وهي الحاضر الغائب طوال الفيلم، التي نسمع صوتها ونتطلع لرؤيتها، والتي يتبين في نهاية المطاف أنها نعمة وليست نقمة، وأنها هي من تنقذ أمها وليس العكس.
درس لصنّاع الأفلام
لفهم أعمق لما تحاول صانعة الفيلم تقديمه في هذا العمل السينمائي المجهد للمشاهدة، قد يكون من المفيد استعراض رؤيتها الفكرية.
في مقال لها بصحيفة Los Angeles Times بتاريخ 16 ديسمبر 2025، حمل عنوان «أبكي سراً، وأبدو واثقة من نفسي علناً»، استهلت ماري برونستين مقالها باقتباس للكاتبة آدريان ريتش جاء فيه:
«العمال يمكن أن يتحدوا في نقابات، يضربون عن العمل، ولكن الأمهات منفصلات عن بعضهن البعض، كل في منزلها، مقيدات إلى أطفالهن بقوة العاطفة، أقصى اعتراض يمكن أن نقوم به هو أن ننهار بدنياً أو عصبياً».
هذا الاقتباس يصلح كمقدمة للفيلم تماماً كما يصلح لمقال برونستين، التي تتساءل في فقرة أخرى: «هل يمكن للسينما أن تعبر عن، وتعزز من، قصص الأمهات اللواتي يعانين من هذه المعضلة بالغة التعقيد: الاحتياج الوجودي للتعرف على ذاتها كفرد مستقل، لها رغباتها واحتياجاتها وحدود إمكانياتها، التي تتصادم باستمرار مع احتياجات شخص آخر، شخص بدأ حياته كجزء من جسدها وروحها؟» هذا هو السؤال المحوري الذي يدور حوله الفيلم.
من منظور إنتاجي، يقدم فيلم «If I Had Legs» درساً في صناعة الأفلام المستقلة، تكشف ماري برونستين عن أسراره في مقالها المذكور. أولاً، إصرارها على كتابة وتنفيذ العمل رغم الرفض الطويل الذي واجهته، والنصائح المتكررة بتغيير عناصر في السيناريو لجعله أكثر جماهيرية، أو لجعل الشخصية محبوبة أكثر، أو لإضافة خط درامي رومانسي، أو الاهتمام بقصة السيدة المختفية، أو ضرورة إظهار الطفلة، وغيرها من الاقتراحات.
ثانياً، تمويل الفيلم بشق الأنفس، عبر العثور على منتجين متحمسين، وإنفاق جزء من أجرها لتعويض ضعف الميزانية. ثالثاً، التحضير المكثف الذي استغرق عاماً كاملاً مع الممثلة الرئيسية لتحويلها إلى الشخصية، ومع مدير التصوير، ثم التحايل على نقص الإمكانيات وعدد أيام التصوير المحدودة من خلال إيجاد بدائل بصرية في مرحلة ما بعد التصوير الرئيسي، عبر صنع المؤثرات يدوياً.
في الختام، نبعت فكرة فيلم «If I Had Legs, I’d Kick You» من تجربة شخصية عاشتها برونستين، عندما أنجبت طفلة تعاني من مشكلة صحية، واضطرت للتخلي عن عملها والبقاء بجوار الطفلة لرعايتها لعدة سنوات. هذه التجربة الحافلة بمشاعر مضطربة وغير مريحة، دفعتها لقرار التعبير عنها كما مرت بها، بهدف التخلص منها ومساعدة الآخرين على التعبير عن تجاربهم المشابهة. إنه قرار، رغم ما يبدو عليه من سهولة وطبيعية، لا يقدر عليه معظم المبدعين.
* ناقد فني









