
في عام 1915، كانت سوزان دوشامب تنظف مرسم شقيقها في باريس. ببساطة، رأت عجلة دراجة مثبتة فوق كرسي ومجفف زجاجات معدني يشبه القنفذ، فاعتبرتهما كراكيب لا قيمة لها وألقت بهما في سلة المهملات. لم تكن تعلم أنها تخلصت من أولى قطع «الجاهزية» (Readymades) التي ستغير تاريخ الفن في القرن العشرين. شقيقها، مارسيل دوشامب، لم ينزعج كثيرًا؛ فالفن بالنسبة له لم يكن في القطعة ذاتها، بل في فكرة اختيارها.
لماذا يضطر فنان للرسم أو النحت إذا كانت المصانع تنتج أشياءً أجمل؟ هذا التساؤل الاستفزازي هو جوهر ثورة دوشامب. الرجل الذي فر من باريس إلى نيويورك عام 1915 هرباً من مضايقات مواطنيه الذين اتهموه بالتهرب من الخدمة العسكرية في الحرب العالمية الأولى، وجد في مانهاتن عالماً غارقاً في السلع الاستهلاكية. هناك، لم يعد الفن بحاجة إلى مهارة اليد. كان يكفي أن يشتري «مجرفة ثلج» من متجر أدوات منزلية، يوقع عليها، ويعلقها في السقف لتتحول إلى عمل فني يحمل اسماً غريباً مثل «استباقاً للذراع المكسورة».
دوشامب كان يكره ما يسميه «الفن الشبكي» – أي الفن الذي يخاطب العين فقط. أراد فناً يخدم العقل.
في عام 1917، وصلت الوقاحة الفنية إلى ذروتها. اشترى دوشامب مع أصدقائه مبولة من شركة «موت» للأعمال الحديدية، قلبها رأساً على عقب، وقع عليها باسم مستعار «R. Mutt»، وأرسلها إلى معرض جمعية الفنانين المستقلين. المفارقة أن دوشامب كان عضواً في مجلس إدارة الجمعية التي رفضت عرض القطعة. أثارت «النافورة» – كما سماها – عاصفة من الجدل حول ما إذا كان «روث الخيول على القماش» يمكن اعتباره فناً إذا قرر الفنان ذلك. الإجابة كانت: نعم.
لم يكن دوشامب أول من استخدم مواداً جاهزة؛ بيكاسو وبراك فعلا ذلك في الكولاج التكعيبي، لكنهما استخدما الأشياء لتمثيل شيء آخر. دوشامب كان مختلفاً. اختياراته كانت مبنية على «اللامبالاة البصرية». لا حب ولا كراهية، مجرد اختيار بارد.
ثم هناك «رروز سيلافي»، الشخصية النسائية التي تقمصها دوشامب. هذا التلاعب بالهوية لم يكن مجرد دعابة، بل امتداداً لفكره في كسر القوالب. كما فعل مع الموناليزا في لوحة (L.H.O.O.Q) حين رسم لها شارباً ولحية صغيرة، محولاً أيقونة الجمال الكلاسيكي إلى مادة للسخرية الجنسية المبطنة.
الثورة الصناعية غيرت كل شيء، ودوشامب أدرك ذلك مبكراً. في عالم النسخ المتطابقة، تفقد القطعة الفريدة قدسيتها. معظم أعمال دوشامب الأصلية ضاعت أو دُمرت، وما نراه اليوم في المتاحف هو مجرد نسخ مرخصة صنعت في الستينات. هل يقلل هذا من قيمتها؟ بالنسبة لدوشامب، الإجابة هي لا. فالأصل هو الفكرة، والنسخة هي مجرد تأكيد على أن الفن يمكن أن يكون قابلاً للاستهلاك مثل زجاجة نبيذ أو مجرفة ثلج.
الغريب أن دوشامب ادعى اعتزال الفن في عام 1923 ليتفرغ للعب الشطرنج، لكنه استمر في إنتاج أفكار مشفرة. مثل «فخ» (Trap)، وهي شماعة معاطف ثبتها على الأرض بعد أن سئم من التعثر بها. أو «غطاء الآلة الكاتبة» الذي اختاره فقط لأنه أراد إدخال «النعومة» إلى عالم الأشياء الصلبة.
هذا العبث المنظم هو ما مهد الطريق لكل شيء نراه اليوم، من الفن المفاهيمي إلى فن الـ Pop Art. دوشامب لم يصنع فنًا، بل وضع قوانين جديدة للعبة، حيث الفنان هو المدير الذي يختار، وليس العامل الذي يصنع.








