فن

ضحكات رمضان: جيل جديد يتحدى صعوبات الكوميديا وياسر جلال يغامر

ثلاثة وجوه شابة تتصدر البطولة المطلقة لأول مرة في موسم رمضاني حافل.

الضحك، تلك الراحة التي تلامس الروح، ودليل الفطنة التي تنير العقل، وبوابة الفهم التي تشرع الأبواب المغلقة. هكذا وصفه الجاحظ، إمام الأدب العباسي، وكأن كلماته نبوءة عابرة للقرون، استشرفت حال الإنسان المعاصر الذي تكالبت عليه ضوضاء الألم. وبعد ألف عام ونيف، جاء شاعرنا صلاح جاهين ليقرن الضحك بالحزن، كتوأمين متلازمين، يتجلى كل منهما في الآخر بطريقته الخاصة. وإذا أضفنا إليهما الدهشة، تكتمل ثلاثية الإحساس البشري، لندرك أن الضحك ليس مجرد ترف عابر، ولا نقيضًا للهيبة والوقار، بل هو مرادف عميق للحكمة في أحيان كثيرة. فكم من مرة نضحك لأننا أدركنا جوهر ما يدور حولنا، تمامًا كما لخص أسطورة الضحك، تشارلي شابلن، الحياة بقوله الخالد: «مأساة من قريب، ولكنها كوميديا لو نظرنا إليها من بعيد».

ولذلك، لم يكن الضحك مجرد فعل بسيط أو عبثي، بل هو عملية معقدة تختبر حساسية الإنسان، عمق وعيه، ومدى رؤيته لذاته وللعالم من حوله. وفي عالم الدراما، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا وإثارة للتحدي. فبينما يجد كاتب التراجيديا ضالته في جملة قصيرة، ربما مستهلكة، كـ «نظرة حزن» أو «دمعة فراق»، ليجذب بها تعاطف الجمهور بسهولة، يواجه كاتب الكوميديا مهمة شاقة: عليه أن يعيد صياغة الألم بطريقة تجعله محتملاً، يسير على حبل رفيع مشدود، مراعيًا معادلة تكاد تكون مستحيلة. فالمطلوب منه أن يفجر الضحكات في القاعة، دون أن يشعر الجمهور بأن هذا الضحك مفروض عليهم، وأن يجعلهم يضحكون على أزماتهم ذاتها، دون أن يلامسهم شعور بالاستهزاء أو التقليل. لا يمكن لكاتب الكوميديا أن يكتفي بـ «إيفيه» عابر، إلا إذا كان هذا الإيفيه بكرًا وغير مسبوق في عالم يعج بالقفشات المتداولة. وحتى مع الإيفيه المبتكر، يظل اعتماده عليه وحده قاصرًا، ما لم يبنِ موقفًا دراميًا محكمًا يفجر مفارقة حقيقية، تمامًا كما وصف الأديب يوسف إدريس الكوميديا الأصيلة بأنها «تكشف الواقع وهي تضحك عليه».

وتتضاعف صعوبة هذه المهمة حين تُقدم الكوميديا للجمهور المصري تحديدًا. فنحن شعب «ابن نكتة» بامتياز، نمتلك رصيدًا تاريخيًا عريقًا من «التلقي» الكوميدي، وذاكرة جماعية زاخرة بعمالقة الضحك الذين شكلوا وجداننا الجمعي. هذا الميراث الشعبي العظيم قد خلق لدينا «ترمومترًا» حساسًا، يستشعر فورًا الإيفيه المصطنع والموقف المزيف، يدرك بحدسه الفارق الشاسع بين من يسعى لإضحاكه بصدق، ومن يضحك عليه باستخفاف.

إضافة إلى ذلك، تحمل الكتابة الكوميدية على عاتقها مسؤولية ثقافية ثقيلة، فهي تتعامل مع وجدان جمعي يرى في الضحك ليس مجرد تسلية، بل سلاحًا فعالًا لمواجهة قسوة الواقع، ووسيلة للبقاء على قيد الحياة، بل وعلاجًا لأمراض نفسية مستعصية، جاءت كحصاد طبيعي للعيش في عالم لا يرحم.

ومع بزوغ هلال رمضان، تطل علينا كوكبة من المسلسلات الكوميدية، بعضها يمثل «رهانًا» حقيقيًا على مستقبل هذا الفن. يشهد هذا الموسم لحظة فارقة في مسار الكوميديا المصرية، مع دخول ثلاثة وجوه شابة من بوابة البطولة المطلقة، بعد سنوات قضوها كـ «سنيد» أو «داعم للبطل»، أو حتى مجرد «خاطف لقطة» على منصات السوشيال ميديا. هذا جيل صاعد لا يكتفي بتقليد من سبقه، بل يسعى لاكتشاف لغته الخاصة في الإضحاك. فقد قفز كل من مصطفى غريب، وكزبرة، وأحمد رمزي، إلى واجهة المشهد، متصدرين الأفيشات كأبطال للمرة الأولى، في اختبار «ثنائي الصعوبة»: عمل درامي كوميدي، يعرض في ذروة الموسم الرمضاني.

أول هؤلاء، وفقًا للأقدمية، هو مصطفى غريب، الذي وجد فرصة عمره في دور «العترة» ابن «الكبير أوي»، تلك الأيقونة الكوميدية لمواسم سابقة. توالت نجاحاته التي رسخت شخصيته الكوميدية البسيطة، والتي اعتبرها المشاهدون امتدادًا لمدرسة الممثل الذي يضحكك بصدقه لا بمبالغته. يقدم غريب هذا الموسم بطولة مسلسل «هي كيميا»، بمشاركة «دياب»، الذي يجمع بين أيقونية الشر والضحك معًا، في توليفة مثيرة.

أما المطرب أحمد بحر، المعروف بـ«كزبرة»، فيخوض غمار البطولة المطلقة في مسلسل «بيبو»، وهي كوميديا شعبية يدعمه فيها النجمان القديران سيد رجب وهالة صدقي. كان «كزبرة» قد حفر اسمه في أقل من عامين، عبر سلسلة أفلام «الحريفة»، ودوره اللافت كـ«سنيد» للبطل محمد إمام في مسلسل «كوبرا». بجملة واحدة فقط، «ع الدوغري أنا تعبان»، حصد ملايين الضحكات، تمامًا كما أغرق ملايين العيون بالدموع في دوره القصير، الذي لم يتجاوز حلقة واحدة من مسلسل «الغاوي» مع أحمد مكي في رمضان الماضي، مما يبرهن على موهبته المتعددة.

بينما تأتي التجربة الثالثة لليوتيوبر أحمد رمزي، الذي شارك في عدد محدود من الأعمال الدرامية. كانت نقطة انطلاقته الحقيقية بحصده ملايين المشاهدات لـ«ريلز» على صفحته الشخصية بـ«فيسبوك»، والتي كانت عبارة عن «أفلام قصيرة» بمشاركة نجوم كضيوف شرف، أبرزهم هشام ماجد، جيهان الشماشرجي، أحمد الفيشاوي، وويجز. يطل «رمزي» كبطل للمرة الأولى في كوميديا محلية بعنوان «فخر الدلتا»، بمساندة النجمين خالد زكي وكمال أبو ريا، بهدف تفجير الضحك في رحلة تناقضات بين ثقافة الريف الهادئة وضوضاء المدينة الصاخبة. هذه مغامرة خطرة، لا سيما وأن فكرة التناقض بين الريف والمدينة قد استُهلكت دراميًا مرات عديدة.

وفي مغامرة قد تكون أشد خطورة، يخوض النجم ياسر جلال امتحانه الصعب بمسلسل «كلهم بيحبوا مودي». هنا، يتخلى جلال عن ثوب «القوة» الذي اعتاد عليه في ملعبه المفضل، الأكشن، ليتجه نحو ميدان الكوميديا الذي يتطلب شيئًا من «الهشاشة» والضعف الإنساني. يستعين جلال بمصطفى أبو سريع، ليتحركا معًا في حلبة الارتباك أمام تقلبات الحب ومفارقات الحياة، بجوار النجمتين ميرفت أمين وأيتن عامر.

في المقابل، يواصل الفنان كريم محمود عبد العزيز مشواره الكوميدي بمسلسل «المتر سمير»، حيث يعكس ببراعة عبثية الواقع حين يصطدم القانون بجوهر الحياة في أروقة المحاكم، ويكشف هزلية الأزمات الشخصية. يعتمد كريم على خفة ظله الفطرية ورصيده الكبير في قلوب المشاهدين، مدعومًا بقنبلتي الضحك محمد عبد الرحمن وإسلام إبراهيم.

نوع آخر من الكوميديا يستهدف جمهور البيوت العامرة بالتجمعات العائلية الدافئة، يتجسد في مسلسل «بابا وماما جيران». هذه تجربة جديدة لـ أحمد داود، بعد سلسلة من الأعمال الجادة، وتمثل أول تعاون له مع ميرنا جميل، التي أحبها الجمهور في الكوميديا التلقائية التي قدمتها في سلسلة أجزاء «اللعبة» و«البيت بيتي». الرهان هنا ينصب على «كيمياء الشخصيتين» الفريدة، وعلى قدرة المسلسل على إيصال إحساس للمشاهدين بأن الأحداث المعروضة هي «قطعة من حياتهم» اليومية، بما فيها من مواقف طريفة ومألوفة.

أما الفنان أحمد أمين، فيواصل «اللعب في المضمون» بذكاء، مقدمًا الجزء الثاني من مسلسله «النص». يسافر أمين عبر الماضي، في رحلة شيقة من النصب والاحتيال، بمشاركة حمزة العيلي وأسماء أبو اليزيد. يعتمد نجاح هذا الجزء على قدرته على مزج حكاياته الشعبية الأصيلة بضحك متجدد، مع تجنب الوقوع في فخ التكرار الذي غالبًا ما يصيب الأجزاء المتتالية.

لطالما كانت الكوميديا رفيقًا وفيًا لمواسم رمضان على مر السنين، وزخرت المكتبة الدرامية بعشرات الأعمال الناجحة التي قدمها كبار النجوم: عادل إمام، محمد صبحي، يحيى الفخراني، ومن بعدهم محمد هنيدي وأحمد مكي، وغيرهم الكثير ممن صنعوا لحظات ضحك خالدة، ارتبطت بذاكرة أجيال كاملة. لكن الموسم الحالي يشهد غيابًا جماعيًا لهؤلاء العمالقة، وهو ما يطرح سؤالًا جوهريًا حول «تغيّر شروط الضحك» ذاتها، وتبدل الزمن، وتشبّع الجمهور، وربما عدم اعتراف الكوميديا بـ«المجد القديم» بشكل دائم، فلكل عصر روحه، أليس كذلك؟ يبقى السؤال مفتوحًا، بل ومُلحًا: هل يعود الكبار برؤية جديدة ومختلفة تعيد تعريف الضحك بما يتناسب مع العصر، أم يتركون المساحة بالكامل لـ«مضحكين جدد» ابتكروا بالفعل لغة كوميدية مختلفة يفهمها جمهور الزمن الحالي ويستجيب لها؟

ولأن «موسم رمضان بمن حضر»، فإن المسلسلات الجديدة، على اختلاف مدارسها وأساليبها، تدرك جيدًا أن المشاهد المصري لا يضحك حقًا إلا حين يرى نفسه منعكسًا على الشاشة، أو حين تُعرض تناقضاته الداخلية أمامه بذكاء وصدق لا لبس فيهما. فبين كوميديا الموقف العميقة، وقواميس الإيفيهات الطازجة، وعبثية الحياة اليومية المألوفة، يبحث صناع الكوميديا عن مساحات مشتركة للضحك، تجمع بين المراهقين والكبار على حد سواء. ينتظر الجميع لحظات من الفرجة الخالصة، تخفف عنهم وطأة الضغوط وتمنحهم متنفسًا. وأخيرًا، لا يُقاس نجاح الكوميديا بعدد الضحكات العابرة في لحظة العرض، بل بقدرتها الحقيقية على البقاء في الذاكرة والوجدان، حتى بعد عودة الجمهور إلى واقعه. ونحن ننتظر من كوميديا رمضان هذا العام، أن تكون إنسانية وصادقة بما يكفي، لتعيننا، جميعًا، على مواجهة قسوة الحياة وتحدياتها.

مقالات ذات صلة