عرب وعالم

اتفاق تاريخي يدمج “قسد” بالدولة السورية: نهاية حقبة الإدارة الذاتية

مفاوضات مكثفة ومواكبة أميركية تقود إلى تسوية شاملة في شمال شرق سوريا

صحفية أخبار في قسم عرب وعالم، بمنصة النيل نيوز تعمل على متابعة الملفات الإقليمية والدولية

أُعلن في دمشق يوم الجمعة 30 يناير عن “اتفاق شامل” بين الحكومة السورية و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، يمثل خطة تنفيذية لدمج متسلسل لقوات “قسد” و”الإدارة الذاتية” ضمن مؤسسات الدولة. جاء هذا الإعلان تتويجًا لجولة مفاوضات مكثفة قادها قائد “قسد” مظلوم عبدي في العاصمة السورية، بمواكبة أميركية مستمرة.

الاتفاق يضع حدًا لطموحات الإدارة الذاتية، وينص على بنود رئيسية تبدأ بتثبيت وقف إطلاق النار. يشمل دخول قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية إلى مدينتي الحسكة والقامشلي لضمان انتشار الشرطة المحلية. كما يقضي بتشكيل فرقة عسكرية تضم ثلاثة ألوية من “قسد”، ولواء إضافي في عين العرب (كوباني) يتبع لحلب، إضافة إلى انسحاب القوات العسكرية من “نقاط التماس” المحددة.

بدأت الخطوات التنفيذية للاتفاق فورًا. في اليوم الأول، دخلت 15 سيارة أمنية إلى كل من الحسكة والقامشلي. تلا ذلك في اليوم التالي، استلام حقلي الرميلان والسويدية للنفط مع دمج الموظفين بوزارة الطاقة. وفي اليوم الثالث، تسلمت هيئة الطيران المدني مطار القامشلي، الذي كانت القوات الروسية قد انسحبت منه، مع إرسال فريق من هيئة المنافذ الحدودية إلى معبر سيمالكا.

بعدها، سيجري انسحاب عسكري من مدينتي الحسكة والقامشلي إلى ثكنات متفق عليها، وينسحب الجيش إلى الشدادي عقب انتهاء عملية إخلاء عناصر تنظيم “داعش”. تلي ذلك عملية دمج مؤسسات الإدارة الذاتية في مؤسسات الدولة وتثبيت الموظفين المدنيين. كما ستبدأ عملية تشكيل الفرقة العسكرية الجديدة، التي ستضم نحو 16 ألف مقاتل من “وحدات حماية الشعب” الكردية، ولواء يضم حوالي 6 آلاف مقاتل في عين العرب (كوباني).

تضمن الاتفاق تعيين المناصب الرئيسية، مثل محافظ الحسكة ومساعد وزير الدفاع ونائب مدير الأمن للحسكة، حيث ترشح “قسد” ودمشق تقبل، وقد عينت دمشق مروان العلي مديرًا للأمن في الحسكة. أكد محمد طه أحمد، مدير إدارة الشؤون العربية بالخارجية السورية، أن الاتفاق يتضمن أربع مراحل: عسكرية أمنية، ثم أمنية إدارية، تليها إدارة المرافق الحيوية، وأخيرًا دمج المؤسسات المدنية في هيكل الحكومة السورية، مع جدول زمني محدد لكل مرحلة.

هذا الاتفاق حل محل مسودات سابقة كانت تقترح تشكيل ثلاث فرق ولواءين مستقلين من “قسد”، ولامركزية للإدارة الذاتية. كما نص على “تسوية الحقوق المدنية والتربوية للمجتمع الكردي”، والعمل على ترجمة المرسوم الرئاسي رقم 13، الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع في 16 يناير، بشأن الحقوق الكردية، ضمن مؤسسات ووثائق الدولة. هذا المرسوم أعاد الجنسية السورية الكاملة لمن تأثروا سابقًا بإقصاءات تاريخية، واعترف باللغة الكردية لغة وطنية إلى جانب العربية، وأتاح تعليمها في المناطق المعنية، وكرّس ضمانات الحماية من التمييز.

المبعوث الأميركي توم باراك، الذي واكب المفاوضات منذ توقيع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي، رحب بالاتفاق فور إعلانه، واعتبره “محطة عميقة وتاريخية في مسيرة سوريا”. جاء هذا الاتفاق بعد تحول كبير في مطالب وأهداف “قسد”، التي انتقلت من “المشاركة في صوغ مستقبل سوريا” وتعديلات دستورية، إلى البحث في ترتيبات محلية وتفاصيل تتعلق بمستقبل الحسكة والقامشلي.

المفاوضات بين دمشق و”قسد”، التي استمرت منذ سقوط النظام في 8 ديسمبر 2024، مرت بجولات متقلبة، تميزت بلحظات دافئة وهبات ساخنة، وحضور أميركي غالب وفرنسي أحيانًا. كان جوهر الخلاف يدور حول رغبة “قسد” في “المشاركة في صوغ مستقبل سوريا”، وهو ما رفضته دمشق التي طرحت الاندماج الكامل في الدولة الجديدة وفق أولويات القيادة. دمشق رأت أن قيادة قنديل (حزب العمال الكردستاني) خطفت قرار “قسد”، وأن مبرر وجود “قسد” قد انتهى مع قيام دولة سورية جديدة بعلاقات عربية ودولية.

رهانات الطرفين على الوقت لم تكن متكافئة. دمشق راهنت على أن الوقت لصالحها، فالحكم الجديد نجح في فك العزلة ورفع العقوبات وبناء علاقات دولية وإقليمية واسعة، بما في ذلك علاقة مميزة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. في المقابل، راهنت “قسد” على فشل الحكم السوري وتحالفات مع مكونات سورية وإقليمية، وحتى على تواصل مع تل أبيب، إضافة إلى التزام أميركي من وزارة الدفاع والوحدات الخاصة. هذه الرهانات تبين أنها خاطئة.

التحول الأبرز في المشهد جاء في مايو/أيار، عندما استضافت الرياض لقاء بين الرئيس الشرع والرئيس ترمب، ما نقل العلاقة بين واشنطن ودمشق من الانخراط الشرطي إلى الأبواب المفتوحة. بلغت العلاقة ذروتها في 10 نوفمبر عندما استقبل ترمب الشرع في البيت الأبيض، وقررت سوريا الانضمام إلى التحالف الدولي لقتال “داعش”. وعد ترمب الشرع بحل ثلاث قضايا قبل نهاية 2025: دمج “قسد”، إلغاء قانون قيصر، والعمل مع نتنياهو لتوقيع اتفاق أمني. بعد ذلك، أصبح انخراط إدارة ترمب أكثر وضوحًا في ملف “قسد”.

مع نهاية عام 2025، شهد المشهد الإقليمي والدولي تغيرات كبيرة، عززت من موقف دمشق. في 4 يناير، انهار لقاء حاسم في دمشق بين عبدي ووزيري الخارجية والدفاع السوريين، بعد أن اتهمت دمشق “قسد” بالمماطلة والتسويف وخرق اتفاقات سابقة. وقيل إن تقديرًا في دمشق أشار إلى أن نافذة الدبلوماسية أغلقت، وأن الرد على الخروق بات ضروريًا، خاصة بعد عدم السماح بترك حلب، العاصمة الاقتصادية، رهينة لصواريخ “قسد”.

بدأت دمشق في 6 يناير 2026 “عملية جراحية” لتأمين أحياء حلب، وتقدمت قوات الجيش السوري إلى شرق حلب وتخوم نهر الفرات. هذا التقدم الميداني أدى إلى انتفاضة “العشائر العربية” في المدن ذات الغالبية العربية ضد “قسد”، ما تسبب في خسارة “قسد” لنحو نصف مقاتليها. كانت جميع مؤسسات الحكومة تواكب العملية العسكرية، إلى جانب مرسوم رئاسي من الشرع يقر حقوق الأكراد في سوريا.

انهيار قوات “قسد” وسرعة تقدم الجيش السوري كانا مفاجأة كبرى. في 17 يناير، عقد لقاء عاجل في أربيل ضم المبعوث الأميركي توم باراك والزعيم مسعود بارزاني ومظلوم عبدي. هناك، فوجئ عبدي وإلهام أحمد، اللذان كانا يراهنان على تدخل إسرائيلي وحماية أميركية، بكلمات باراك الواضحة بأن واشنطن “لن تطلق رصاصة واحدة لأجلكم”، ولن تقبل بمواجهة إسرائيلية-تركية في شمال شرقي سوريا لأجل “قسد”.

في هذا اللقاء، وافق عبدي شفهيًا على ورقة جديدة تتضمن تنازلات كبيرة، وطلب بعض التعديلات المتعلقة بـ”المناطق ذات الغالبية الكردية”، التي اعتبرها “خطًا أحمر”. لكن لقاءً حادًا تلاه بين مظلوم عبدي والرئيس الشرع في دمشق انتهى دون اتفاق، حيث رفضت دمشق إعطاء مهلة لمظلوم لتنفيذ الاتفاق وتسليم سجون “داعش” وتقديم مرشحين للمناصب، مطالبة بحل “قسد” انسجامًا مع قرارات “يوم النصر” في 29 يناير 2025.

جراء فشل اجتماع الشرع وعبدي، احتدمت المعارك في شرق الفرات، ووصل الجيش السوري إلى تخوم الحسكة وتقدم باتجاه الحدود لقطع خطوط الإمداد. على وقع المعارك، انسحب الجيش الروسي من مطار القامشلي، وتكثفت اتصالات القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) لضمان نقل سجناء “داعش”.

في 18 يناير، أعلنت الرئاسة السورية اتفاقًا مع “قسد”، استنادًا إلى الورقة التي بحثت في أربيل، ونص على وقف إطلاق نار شامل، وتسليم محافظتي دير الزور والرقة إداريًا وعسكريًا للحكومة السورية، ودمج كل المؤسسات المدنية في الحسكة، واستلام الحكومة للمعابر الحدودية وحقول النفط والغاز، ودمج العناصر العسكرية والأمنية لـ”قسد” ضمن وزارتي الدفاع والداخلية بشكل “فردي”، والتزام “قسد” بإخراج جميع قيادات وعناصر “حزب العمال الكردستاني” غير السوريين.

توم باراك أصدر بيانًا في 20 يناير أوضح فيه رؤية إدارة ترمب، مؤكدًا أن أعظم فرصة للأكراد هي “الاندماج الكامل” في الدولة الجديدة، وأن مبررات الشراكة الأميركية مع “قسد” لمكافحة “داعش” قد “انتهت صلاحيتها” بعد قيام حكومة مركزية معترف بها. هذا الموقف رسم حدود المستقبل بوضوح، مؤكدًا عدم وجود مصلحة أميركية في وجود عسكري طويل الأمد، ولا دعم للانفصال أو الفيدرالية.

مع انتهاء مهلة تنفيذ اتفاق 18 يناير في 24 يناير، تكثفت الاتصالات لتمديد وقف إطلاق النار، وتم التمديد لأسبوعين. في 26 يناير، زار مظلوم وإلهام أحمد دمشق، واحتدمت الوساطات. اتصل الرئيس ترمب بالرئيس الشرع في اليوم نفسه، حيث جرى التأكيد على التزام وقف النار والعمل على ترتيبات تنفيذ الاتفاق. ميدانيًا، كان الجيش السوري قد التف على “قسد” وقطع خطوط الإمداد في المناطق ذات الغالبية الكردية.

في 27 يناير، وعلى وقع التقدم الميداني نحو “مناطق كردية” وضغوطات في واشنطن، اتصل الرئيس ترمب بالرئيس الشرع لحثه على تثبيت وقف النار ووقف العمليات. قدم الشرع “مفاجأة سارة” وأبلغ ترمب بأن اتفاقًا حصل مع عبدي يتضمن وقف النار ووحدة سوريا ومنع عودة “داعش”. عليه، أعلن ترمب أن اتصاله كان “رائعًا” مع الشرع. هذا الاتصال أعطى جرعة إضافية للمفاوضات التي استمرت أيامًا، لتعلن أخيرًا عن “الاتفاق الشامل” في 30 يناير، الذي وصفه المبعوث الأميركي بأنه “منعطف تاريخي”، ورحبت به باريس ولندن.

مقالات ذات صلة