ترامب يقترح “مجلس السلام”: هيكل عالمي جديد يثير الجدل حول دور الأمم المتحدة
مجلس السلام يهدف لتنسيق إعادة إعمار غزة وإدارة النزاعات، لكن ترامب يرى فيه بديلاً للأمم المتحدة.

يظهر “مجلس السلام” السلام كأداة لتنسيق إعادة إعمار غزة وإدارة اتفاقيات وقف إطلاق النار في النزاعات المستعصية. لكن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، الذي يقترح هذا الكيان، ألمح إلى أن المجلس قد “يحل محل” الأمم المتحدة، التي يرى أنها لم تتمكن من إيقاف أي حرب كبرى منذ عقود. يعزز التصميم المقترح للمجلس هذه الرؤية البديلة، حيث يضم مقراً خاصاً، وأمانة عامة محدودة، ومجلساً مصغراً يضم القوى الكبرى والإقليمية، على أن يكون رئيس الولايات المتحدة رئيساً مؤسساً له دون تحديد مدة ولايته.
وقد أُعلن عن هذه المبادرة في منتدى دافوس الاقتصادي العالمي بسويسرا، الذي شهد حضور أكثر من 60 رئيس دولة وحكومة. استغل ترامب هذا المنبر لدعوة نحو ثلاثين زعيماً، من بينهم شخصيات متباينة مثل فلاديمير بوتين وخافيير ميلي ورجب طيب أردوغان. في المقابل، رفض آخرون، كإيمانويل ماكرون، الانضمام إلى هذه المرحلة الأولية.
يتجاوز هذا الإعلان مجرد لفتة رمزية، حاملاً رسالة واضحة مفادها أن الرئيس الأمريكي يسعى لتشكيل نادٍ من الدول المستعدة لقبول وساطته المباشرة، مقابل الحصول على الأمن والاستثمار وامتياز الوصول إلى السوق الأمريكية. يترتب على ذلك تضاؤل الحدود الفاصلة بين الدبلوماسية والتجارة والدفاع، مع تحول مركز ثقل الحوكمة العالمية بشكل أكبر نحو واشنطن.
اشتراكات مالية ضخمة وسلطة دائمة
يتميز “مجلس السلام” عن الأمم المتحدة بهيكله التحفيزي. فوفقاً لمسودة النظام الأساسي التي تسربت في دافوس، ستحصل الدول الأعضاء العادية على ولايات مدتها ثلاث سنوات. أما الدول التي تساهم بمليار دولار في صندوق المجلس، فستضمن مقعداً دائماً وحق النقض (الفيتو) في قرارات محددة.
يدخل هذا التصميم عنصراً كان محظوراً حتى الآن في النظام متعدد الأطراف: السلام كنادٍ مدفوع الأجر. يقدم ترامب هذا النموذج كحل “واقعي” لضمان تمويل كافٍ دون الاعتماد على الميزانيات العامة الخاضعة للتقلبات السياسية. لكنه، عملياً، يعزز دائرة من كبار المساهمين القادرين على توجيه أولويات المجلس بما يخدم مصالحهم الاستراتيجية.
في سياق متصل، أوضح البيت الأبيض أن رئاسة المجلس ستبقى في يد ترامب حتى بعد مغادرته الرئاسة. يشير هذا بوضوح إلى أن الرئيس يحتفظ لنفسه بدور مؤسسي طويل الأمد، منفصل عن الدورات الانتخابية الأمريكية، ليضع نفسه على رأس كيان هجين يجمع بين السياسة الخارجية، وأعمال إعادة الإعمار، والدبلوماسية رفيعة المستوى.
بالنسبة للأسواق، يقدم هذا المخطط نوعاً جديداً من الأصول السياسية: التوقع بأنه طالما كانت هذه الآلية تعمل، فإن النزاعات الأكثر حساسية ستُوجه عبر منتدى أصغر وأسرع وأكثر توافقاً مع واشنطن، مما يقلل، نظرياً، من احتمالية حدوث صدامات مفاجئة مع الحلفاء.
غرينلاند: محور استراتيجي غير متوقع
تمثل غرينلاند قطعة أخرى في هذا اللغز الاستراتيجي. وصل ترامب إلى دافوس بعد أسابيع من التوتر مع الدنمارك والاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، بسبب إصراره على ضرورة سيطرة الولايات المتحدة على الجزيرة لضمان أمن القطب الشمالي في مواجهة روسيا والصين. وقد أثارت تهديداته بفرض رسوم جمركية بنسبة 10% على “أي سلعة” قادمة من ثماني دول أوروبية، والتي كان من الممكن أن ترتفع إلى 25% بحلول يونيو في حال عدم التوصل لاتفاق، حالة من القلق الشديد في بروكسل.
لكن في دافوس، أجرى الرئيس تحولاً محسوباً. فقد أكد أنه لن يستخدم القوة العسكرية لضم غرينلاند، وأعلن عن “إطار اتفاق” مع الأمين العام لحلف الناتو بشأن مستقبل الإقليم وأمن القطب الشمالي. وعلى الفور، سحب الرسوم الجمركية التي كان من المقرر أن تدخل حيز التنفيذ في الأول من فبراير.
يكشف هذا التطور عن نمط معروف في السياسة الاقتصادية لترامب: تصعيد التوتر إلى أقصى حد، ثم الاستفادة من حالة الارتياح التي تلي ذلك. فمن خلال تحويل التركيز من التهديد العسكري إلى اتفاق أمني واستغلال للموارد، يقلل الرئيس من احتمالية حدوث أزمة مفتوحة مع الاتحاد الأوروبي. لكنه في الوقت نفسه، يرسخ فكرة أن سيادة غرينلاند يمكن التفاوض عليها بين القوى الكبرى، وهو ما ترفضه كوبنهاغن وممثلو غرينلاند بشكل قاطع.
انتعاش وول ستريت وتنهيدة ارتياح في البورصات الأوروبية
فور إعلان ترامب عن إطار الاتفاق وسحب الرسوم الجمركية، تفاعلت الأسواق بارتياح فوري. في نيويورك، ارتفع مؤشر داو جونز بنحو 1.2% (ما يقرب من 590 نقطة)، بينما تقدم مؤشرا S&P 500 وناسداك بنحو 1.1% إلى 1.2%، مسجلين أفضل أداء لهما خلال شهرين. وعاد مؤشر راسل 2000، الحساس للغاية للطلب المحلي والتكاليف التجارية، ليلامس مستويات قياسية نسبية مقارنة بمؤشر S&P، وهو ما لم يحدث منذ ما قبل الجائحة.
أما في أوروبا، فكان التأثير أكثر اعتدالاً لكنه مهم: انتعش مؤشرا FTSE 100 وCAC 40 بنحو 0.1%، بينما تقدم مؤشر FTSE 250، الأكثر تعرضاً للاقتصاد البريطاني، بنسبة 0.5%. القراءة واضحة: تتوقع الأسواق، على المدى القصير على الأقل، ابتعاد شبح الحرب التجارية المفتوحة بين واشنطن وبروكسل.
لكن ليست كل الإشارات تدل على الهدوء التام. فبينما استعادت البورصات عافيتها، ظل الذهب، الملاذ الآمن التقليدي في أوقات عدم اليقين، يتداول بالقرب من مستوياته التاريخية، متجاوزاً 4800 دولار للأونصة. هذا يؤكد أن جزءاً من المستثمرين لا يزال يحتفظ بتحوطات تحسباً لأي تقلبات محتملة.
يرسم هذا المزيج من النشوة في البورصات والجمود في الأصول الآمنة صورة متناقضة: المدى القصير يحتفل بالهدوء المؤقت، لكن المدى المتوسط لا يزال يهيمن عليه الشك حول الاستقرار الحقيقي لاستراتيجية ترامب.
أوروبا بين عدم الثقة والتبعية
في بروكسل، اختارت المفوضية الأوروبية كسب الوقت. ويقر متحدثون باسم المفوضية بأن الجهاز التنفيذي سينتظر قمة القادة المقبلة قبل تحديد ما إذا كان سيشارك في “مجلس السلام” أم لا، مع إعطاء الأولوية حالياً لإدارة أزمة غرينلاند والتنسيق مع الدنمارك.
يبدو التباين مع رد فعل الأسواق صارخاً. فبينما تحتفل المؤشرات بسحب الرسوم الجمركية، يتزايد القلق في العواصم الأوروبية لسببين رئيسيين. أولاً، بسبب فكرة دعم هيئة موازية للأمم المتحدة تُصاغ قواعدها من واشنطن وتُمول بشيكات ضخمة. ثانياً، بسبب التأكيد على أن الاتحاد الأوروبي لا يزال يفتقر إلى القدرة على فرض أجندته الخاصة عندما تتداخل قضايا الأمن والتجارة.
تتهم الدنمارك، المتضررة بشكل مباشر، حلف الناتو بالعمل خارج نطاق ولايته إذا تفاوض بشأن وضع غرينلاند أو مواردها دون استشارة كوبنهاغن أو نوك (عاصمة غرينلاند). ويخشى العديد من القادة الأوروبيين أيضاً أن يؤدي قبول الإطار الذي اقترحه ترامب إلى ترسيخ سابقة خطيرة: تحويل الأراضي ذات القيمة الاستراتيجية العالية إلى أوراق مساومة جمركية.
النتيجة واضحة: حتى لو انتهى المطاف ببعض الشركاء بالجلوس في “مجلس السلام”، فإن التآكل السياسي الداخلي سيكون ملحوظاً، وسيعزز الخطاب القائل بأن أوروبا تعتمد على الحماية الأمريكية لكنها غير مرتاحة لطريقة ممارستها.









