فن

«Hamnet» يقلب التوقعات في الجولدن جلوب.. هل يمهد الطريق للأوسكار؟

فيلم كلوي تشاو يحصد جائزة أفضل فيلم روائي وجيسي باكلي أفضل ممثلة، في رحلة شعرية عبر الفن والفقدان.

كاتب ومراسل إخباري في منصة النيل نيوز، متخصص في قسم الفن.

خلافًا للتوقعات التي رجحت فوز فيلم «Sentimental Value» بثمانية ترشيحات في الدورة الـ 83 لجوائز الجولدن جلوب، خطف فيلم «Hamnet» للمخرجة الصينية كلوي تشاو الأضواء، حاصدًا جائزة أفضل فيلم روائي طويل وجائزة أفضل ممثلة أولى للأيرلندية جيسي باكلي. هذا الإنجاز، بفضل تفاصيله الشعرية وأجوائه المستوحاة من القرن السادس عشر وقصة أهم كاتب في التاريخ، يضع «Hamnet» بقوة ضمن المرشحين الأوفر حظًا لنيل التمثال الذهبي في حفل الأوسكار المرتقب، خاصة بعد أن سبق للمخرجة تشاو الفوز بالجائزة قبل خمس سنوات عن فيلمها «Nomadland».

الساحرة والفنان

قد يبدو «Hamnet» للوهلة الأولى فيلمًا نسويًا، أو قادمًا من أعماق عالم النساء، حيث شاركت المخرجة كلوي تشاو في اقتباس النص السينمائي مع كاتبة الرواية الأصلية ماجي أوفاريل، وتظهر فيه لمسة تشاو الأنثوية الأصيلة وغير المبتذلة. لكن النظرة المتعمقة للتجربة ككل تكشف عن احتفاء شعري بقدرة الفن على ترميم الواقع.

يبدأ «Hamnet» بمشهد ساحر لفتاة جميلة تتكور في وضع جنيني داخل تجويف خشبي ناتئ لشجرة عملاقة، تحيط بها زرقة البرودة التي لا تعكس فقط أجواء الحقبة الزمنية، بل وبخار المشاعر الودودة المتطايرة من بلدتها القديمة في الريف الإنجليزي.

إنها آنييس، مربية الصقور، التي تقع في غرام شاب طموح، ابن صانع القفازات، يأتي إلى منزلهم لتعليم أطفال العائلة سدادًا لديون والده. لا يُعرف للشاب اسم أو صفة سوى أنه فنان وعاشق رفيع المستوى، يمتلك القدرة على التعبير عما يدور في ذهنه عبر حكايات تُروى بسلاسة وعمق. لا نتعرف على اسم شكسبير إلا في نهاية الفيلم، عندما تذهب الزوجة الثكلى لمشاهدة المسرحية التي تحمل اسم ابنها المفقود محرفًا.

بغياب اسم شكسبير في البداية، يتركز اهتمام المشاهد على آنييس، ومن بعدها أبنائها جوديث وتوأمها هامنت، وسوزانا الابنة الكبرى التي كانت ثمرة اللقاء الجسدي الأول بين الأبوين، وسببًا رئيسيًا في التعجيل بزواج الساحرة والفنان. يخصص السيناريو وقتًا وتفاصيل كثيرة لبناء عالم آنييس ببطء، خاصة ما قبل الزواج وفي السنوات الأولى قبل أن ترزق بالتوأم غير المتطابق. تربيتها للصقر تمنح حبيبها فرصة ليهديها قفازًا من صنع أبيه، لكنه سرعان ما يستبدله بحكاية تعمق علاقتهما البكر: حكاية أورفيوس الذي هبط إلى العالم السفلي ليعود بزوجته، مجتازًا كل اختبارات آلهة الأولمب ما عدا اختبارًا أخيرًا، وهو ألا يلتفت بينما تسير هي خلفه صاعدين من بوابات العالم الآخر. تمثل هذه الحكاية القوس العاطفي الأوسع في علاقة الفنان بالساحرة الشابة، التي تُلقب بالساحرة لأن أمها اتهمت بالسحر، نظرًا لاشتغالها بالعطارة وقدرتها على شفاء الأمراض بالأعشاب، وهو ما ورثته عنها الفتاة الجميلة الصلبة ذات الوجه المنحوت والعيون العميقة ونظرتها الصامتة.

متطابق وليس متماثل

عندما تلد آنييس جوديث في البداية، ويأتي الانقباض الثاني لتلد طفلًا صامتًا، تظن جدته أنه ميت، لكن أمه حين تحمله تدب فيه الروح وينطق ببكاء رقيق. هذا هو هامنت، الابن الذكر الوحيد في بيت يعج بالنساء، يولد صامتًا ويرحل صامتًا بجانب أخته بعد عشر سنوات، وكأن الولادة الصامتة إرهاصة بالمصير الذي ينتظره على مستوى الواقع.

يعتمد السيناريو بشكل كبير على الإرهاص، متبوعًا بهدم التوقع أو زرع التنبؤ والإشارات ثم إعادة إفرازها بشكل مختلف. فحكاية أورفيوس وزوجته هي نفسها حكاية شكسبير وآنييس، والعالم السفلي الذي تهبط إليه هو تلك الحالة الكئيبة التي تدخل فيها عقب وفاة هامنت بالطاعون، بعد أن افتدى أخته في تفصيلة شعرية مؤثرة. موت هامنت نفسه يبدأ من لحظة ميلاده الصامتة وتصور جدته أنه بلا حياة، ثم يعيش لسنوات. بل إن الأب يقرر الذهاب إلى بيت العائلة تاركًا مشاغله في لندن، بعد أن يحضر مسرحية خيال ظل، فيشاهد بطلها الطفل الصغير وثلاث نساء يغادرنه صاعدين إلى السماء، تاركين إياه وحيدًا.

هذا هو الإرهاص التقليدي، لكن السيناريو يتجاوزه بأن يخلف توقعات المشاهد. فشكسبير يكتب مسرحية هاملت لكي يمنح لنفسه فرصة للاعتذار عن كونه أبًا شبحًا في حياته – هناك مشهد يوصي فيه الأب ابنه الصغير بأن يكون بديلًا له في البيت وأن يرعى أمه وأخواته – حيث يلعب شكسبير بنفسه دور شبح الأب الذي يظهر لهاملت في بداية المسرحية الشهيرة، وعلى لسانه يعتذر لابنه الغائب عن تقصيره غير المتعمد وعن شبحيته التي فرضتها طبيعة عمله، وغيابه عن البيت وقت أن كان الصغير في حاجة إليه ليقاوم الموت. أما مسرحية خيال الظل، فإن شكسبير يخشى على زوجته وبناته من الطاعون، حيث تبدو الشخوص النسائية تغادر الطفل، وفي التتابع التالي نرى جوديث بالفعل تصاب بالمرض، ونظن أنها سوف تموت أو سوف يصيب بقية نساء البيت بالمرض. لكن ما يحدث أن هامنت ينام بجانبها ويفديها من الموت القادم، فهما توأم متطابق الروح حتى ولو لم يكونا متماثلين. وحين يغطي هامنت نفسه وأخته يظن أنه هكذا يخدع الموت فلا يدري أيهما المريض وأيهما المعافى، فيقبض روحه بدلًا من أخته. هكذا تتحقق نبوءة خيال الظل، فالأم والأخوات يغادرون الصغير تاركين إياه بمفرده! ونحن نراه بالفعل بمفرده بينما لحظة تجلي من خياله وهو ينادي أمه وقت احتضاره باكيًا لأنها تركته بمفرده في مكان غريب!

أما بخصوص حكاية أورفيوس، فإن شكسبير ينجح في انتزاع آنييس من العالم السفلي، رغم أن أورفيوس لم يفلح في الحكاية الأصلية التي يحكيها لآنييس أن يفعل ذلك. لكن شكسبير حين يكتب هاملت وتأتي آنييس لمشاهدتها، وترفض أن يتم الزج باسم ابنها محرفًا في البداية حتى لتكاد تفسد العرض، تدرك في النهاية أن زوجها استطاع عبر قوة الفن وتأثيره، وعبر إعادة إنتاج هامنت في صورة هاملت الشاب، رغم تراجيدية حكايته، أن يرمم واقع آنييس ويجعلها تتقبل أن صغيرها ربما غاب بالجسد، لكن روحه صارت تسكن مكانًا ما بين المسرح والكلمات، نفس المكان الذي كان يرى هامنت الصغير نفسه فيه وقت احتضاره، والذي نكتشف أنه أقرب لكواليس المسرحية التي يعدها الأب من أجله.

في حكاية أورفيوس الأصلية، فقد الموسيقي العاشق زوجته لأنه لم يفلح في اختبار الآلهة، التي طلبت منه ألا ينظر خلفه ليرى زوجته ويثق في أنها تتبعه حتى بوابات الخروج من العالم السفلي. وفي حكاية شكسبير وآنييس، نجح الفنان العاشق والأب المكلوم في أن يفعل ذلك، في أن يمضي إلى النهاية بمسرحيته الرهيبة التي تخلقت في رحم من أشواك الفقد، مؤمنًا أن آنييس سوف تتبعه، وسوف تعي وتدرك وتشعر بأن هامنت لم ولن يرحل كلية، وأنه باقٍ ومتجدد في كل مرة تقدم فيها المسرحية على خشبة المسرح.

آنييس وهاملت

لم يكن مستغربًا حصول جيسي باكلي على جائزة جولدن جلوب لأفضل ممثلة. صحيح أن الفيلم لا يحمل اسم الشخصية التي أدتها، لكن آنييس الأم الثكلى هي محور التجربة الشعورية والمجازية ككل. استطاعت جيسي أن تحقق هذا الثقل بملامحها المنحوتة الجامدة، التي تملك القدرة على توصيل النقلات الحسية والداخلية للشخصية، عبر تحول كامل في الوجه من الحزن للفرح ومن اعتصار الألم لبريق العثور على مخرج من جحيم الفقدان، كما في المشهد الأخير، حين تمد يدها إلى الممثل الذي يقوم بدور ابنها على خشبة المسرح، أثناء المونولوج الأخير لهاملت.

وكما بدأ الفيلم معها ينتهي بها، تخرج آنييس من رحم الشجرة الضيق التي أنجبتها في الغابة، حيث كانت تتهم بالسحر لبقائها طويلًا بين الظلال الخضراء، إلى خشبة المسرح التي تمثل الغابة خلفيتها المرسومة بتصميم زوجها نفسه – شكسبير – لتشاهد بعين الخيال روح ابنها الصغير وهو يمضي إلى الداخل، إلى داخل المسرحية نفسها، ليبقى هناك إلى الأبد، لا يكبر ولا يعود، فقط يتجدد و(يكون) مثلما قرر هاملت في النهاية، لأنه أدرك أن غيابه الجسدي بالسم سوف يعوضه سرد حكايته على لسان أصدقائه ليبعث في كل مرة يشاهد أحدهم المسرحية أو تروى مآساته.

يفلح فيلم «Hamnet» في إثبات فرضيته بدمج مشهد المسرحية الأخير مع المشهد الأخير من السيناريو. بل يمكن للمتلقي أن يسترجع الجملة التي استهل بها الفيلم مشاهده، حيث كان اسما هامنت وهاملت مستخدمين في ستراتفورد – مسقط رأس شكسبير – حتى القرن السابع عشر، ولكن فيما بعد لم يعد هناك سوى اسم هاملت فقط! أي أن الشخصية الفنية التي تخلقت من رحم المعاناة الأسرية والتراجيديا العائلية المقبضة نجحت في إزاحة الأصل الواقعي للاسم – أي نجحت في ترميم واقع الفقد والغياب – وصار الجميع لا يعرف سوى هاملت! كاسم ومسرحية وحكاية لا تزال تروى في خلود أثيري بعد قرون من كتابتها.

مقالات ذات صلة