في ذكرى رحيله.. حمدي أحمد: فنان الموقف الذي جسد هموم المجتمع
حمدي أحمد.. مسيرة فنية وإنسانية خالدة في ذاكرة السينما والدراما المصرية

يوافق اليوم الخميس، الثامن من يناير، الذكرى السنوية لرحيل الفنان القدير حمدي أحمد، الذي يُعد من أبرز الشخصيات الفنية التي جمعت بين الموهبة الفذة والوعي الإنساني العميق. فقد عكست إطلالته على شاشات السينما وخشبات المسارح بصدق قضايا المجتمع وهمومه، ولم يقتصر دوره على مجرد أداء الأدوار، بل كان صاحب موقف ورؤية فنية واضحة. ترك أحمد بصمة لا تُمحى في مجالات السينما والمسرح والدراما التليفزيونية، وظل اسمه مرتبطًا بالأداء المتقن والشخصيات التي حُفرت في الذاكرة.
وُلد حمدي أحمد محمد خليفة في التاسع من نوفمبر عام 1933 بمحافظة سوهاج، حيث نشأ في بيئة صعيدية كان لها دور بارز في صقل وعيه الإنساني والاجتماعي. ورغم التحاقه الأولي بكلية التجارة، إلا أن شغفه الجامح بالفن دفعه للالتحاق بالمعهد العالي للفنون المسرحية بالقاهرة، حيث تخرج منه عام 1961، لتبدأ مسيرته الفنية الحافلة من عالم المسرح.
وفي العام ذاته، انضم أحمد إلى فرقة التلفزيون المسرحية، مسجلاً أولى مشاركاته الفنية في عرض “شيء في صدري” تحت إخراج نور الدمرداش. تتابعت بعد ذلك إسهاماته المسرحية في أعمال بارزة، مما رسخ مكانته كممثل متمكن يمتلك أدواته ويجيد تجسيد الأدوار المركبة. تجاوزت أعماله المسرحية 35 مسرحية، من أبرزها “الرجل الذي فقد ظله” عام 1963، و”قلوب خالية” عام 1968، و”إزاي الصحة” عام 1983، و”شباب امرأة” عام 1987، وصولًا إلى “أدهم الشرقاوي” عام 2008.
مثّلت السينما نقطة تحول جوهرية في مشواره الفني، خصوصًا عندما اختاره المخرج الكبير صلاح أبو سيف لبطولة فيلم “القاهرة 30” عام 1966، المقتبس عن رواية الأديب العالمي نجيب محفوظ “القاهرة الجديدة”. أبدع حمدي أحمد في تجسيد شخصية “محجوب عبد الدايم”، التي غدت رمزًا للانتهازية في السينما المصرية. عقب هذا الدور المحوري، شارك في أكثر من 30 فيلمًا سينمائيًا، من أبرزها “الأرض” عام 1970، و”حادثة شرف” عام 1971، و”صاحب العمارة” عام 1988، و”عرق البلح” عام 1999، و”سوق المتعة” عام 2000، و”ريش الطاووس” عام 2008، و”الحارة” عام 2010، و”صرخة نملة” عام 2011، الذي كان بمثابة خاتمة أعماله السينمائية.
كما امتد تأثيره وحضوره بقوة إلى عالم الدراما التليفزيونية، حيث أثرى الشاشة الصغيرة بمشاركاته في عشرات المسلسلات التي تجاوزت ثمانين عملًا. من أبرز هذه الأعمال “الفارس الأخير” عام 1978، و”علي الزيبق” عام 1985، و”الوسية” عام 1990، و”إمام الدعاة” عام 2002، و”بعد الطوفان” عام 2003، و”الظاهر بيبرس” عام 2005، و”الحارة” عام 2010، و”في غمضة عين” عام 2013، الذي عُرض قبل وفاته بعامين، وشكّل آخر إطلالة درامية له.
نال الفنان حمدي أحمد تقديرًا كبيرًا لموهبته الفذة، وحصد عددًا من الجوائز المرموقة، كان من أبرزها جائزة “أحسن وجه جديد” عام 1966. كما حصل على الجائزة الأولى في التمثيل عام 1967 من جامعة الدول العربية عن دوره المتميز في فيلم “القاهرة 30″، بالإضافة إلى جائزة أخرى عن فيلم “أبناء الصمت”. وظل اسمه محتفى به كأحد الرموز البارزة للأداء الصادق والمؤثر في تاريخ السينما المصرية.
لم تقتصر إسهامات حمدي أحمد على المجال الفني فحسب، بل امتدت لتشمل الجانب الإداري والسياسي. فقد تولى منصب مدير المسرح الكوميدي عام 1985، حيث ساهم بفاعلية في تطوير الحركة المسرحية. كما خاض غمار العمل السياسي، وانتخب عضوًا بمجلس الشعب عام 1979 ممثلاً لدائرة بولاق بمحافظة الجيزة.
وفي حياته الشخصية، أسس الفنان الراحل أسرة مستقرة، ورُزق بثلاثة أبناء: ابنته الكبرى شيرويت، التي تشغل منصب رئيس تحرير أخبار بالتليفزيون، وابنته ميريت، ونجله محمود المستشار بالنيابة. عُرف عنه التزامه العميق تجاه عائلته، وهدوؤه الذي فضله بعيدًا عن صخب الأضواء، إضافة إلى تمسكه الراسخ بقيمه ومبادئه.
شهدت سنواته الأخيرة معاناة الفنان حمدي أحمد من أزمات صحية متكررة، كان أبرزها الفشل الكلوي، حيث خضع لجلسات غسيل كلوي وعانى من تجمع المياه في الرئة. ورغم قسوة المرض، إلا أنه واجه ذلك بروح راضية بقضاء الله وقدره. بل قام بتجهيز مدافن العائلة بنفسه، إيمانًا منه بحتمية النهاية واستعدادًا لها.
أسدل الستار على حياة الفنان حمدي أحمد يوم الجمعة الموافق الثامن من يناير عام 2016، عن عمر يناهز 82 عامًا. وشُيع جثمانه الطاهر من مسجد الحصري بمدينة السادس من أكتوبر، في وداع مهيب يليق بمسيرة فنية وإنسانية حافلة بالعطاء. برحيله، خسرت الساحة الفنية قامة مثقفة آمنت بالدور التنويري والتغييري للفن، وقدمت أدوارًا خالدة تجاوزت حدود الزمان. ليظل حمدي أحمد حاضرًا بأعماله ومواقفه، شاهدًا على أن الموهبة الحقيقية لا تفنى، بل تبقى حية متوهجة في ذاكرة محبيه وعشاق فنه.








