شهادة مرافق عرفات الشخصي: هل يعيد كشف أسرار الوفاة رسم المشهد السياسي الفلسطيني؟
بعد عقدين من الغموض، تفتح تصريحات جديدة حول تسميم الزعيم الراحل الباب أمام تحليل أعمق لإرثه السياسي المعقد وعلاقات القوة التي حكمت مرحلته الأخيرة.

بعد مرور عشرين عاماً على رحيله، عادت قضية وفاة الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات إلى الواجهة بتفاصيل مثيرة. كشف اللواء محمد الداية، مرافقه الشخصي، عن معلومات تُطرح للمرة الأولى. أشار الداية إلى أن عرفات تعرض للتسميم عبر دوائه. هذه الشهادة لا تكتفي بتأكيد فرضية لطالما ترددت في الأوساط الفلسطينية، بل تضيف بعداً جديداً بتوجيه الاتهام إلى شخصيات من الدائرة المقربة للرئيس الراحل، واصفاً ما جرى بـ “المؤامرة”. تأتي هذه التصريحات لتعيد فتح جرح غائر في الذاكرة الوطنية الفلسطينية، وتلقي بظلال من الشك على الروايات الرسمية التي أحاطت بوفاته في مستشفى بيرسي العسكري بباريس في 11 نوفمبر 2004، والتي جاءت بعد حصار إسرائيلي طويل لمقره في رام الله.
شهادة جديدة تعيد فتح ملف الوفاة وتثير تساؤلات حول الدوائر المقربة
تكتسب شهادة الداية أهميتها من موقعه اللصيق بالرئيس الراحل. الاتهام المباشر بوجود مؤامرة داخلية للتخلص من عرفات يمثل تحولاً سياسياً لافتاً. ظل سبب الوفاة الرسمي، وفقاً للتقرير الطبي الفرنسي، نزيفاً دماغياً حاداً، وهي رواية قوبلت بالتشكيك فلسطينياً منذ اللحظة الأولى. لقد غذت الظروف السياسية تلك الشكوك؛ حيث جاءت وفاة عرفات في ذروة الانتفاضة الثانية، وبعد أن اعتبرته حكومة أرييل شارون “عقبة في طريق السلام”. وعلى مر السنوات، ظهرت تحقيقات متفرقة، أبرزها التحقيق الذي أجرته قناة الجزيرة وكشف عن وجود مستويات غير طبيعية من مادة البولونيوم المشع على متعلقاته الشخصية، مما عزز فرضية الاغتيال. إن الإشارة إلى تورط أطراف داخلية لا يعيد فقط فتح التحقيقات الجنائية، بل يمس بشكل مباشر شرعية البنية السياسية التي تشكلت في مرحلة ما بعد عرفات، وهو أمر يدرك كل مراقب للشأن الفلسطيني مدى حساسيته.

كشف اللقاءات السرية: ازدواجية الدبلوماسية والمقاومة في نهج عرفات
لم تقتصر تصريحات الداية على ملابسات الوفاة. لقد كشف أيضاً عن لقاءات سرية عقدها عرفات مع مسؤولين إسرائيليين، من بينهم رئيس الوزراء الأسبق إيهود باراك، في تل أبيب وغزة. هذه المعلومة تسلط الضوء على الطبيعة البراغماتية والمعقدة للسياسة التي اتبعها الزعيم الراحل. ففي الوقت الذي كان فيه رمزاً للكفاح الوطني الفلسطيني وقائداً للانتفاضة، كانت قنوات الاتصال الدبلوماسية تعمل في الخفاء، في محاولة لإبقاء خيارات الحل السياسي مفتوحة. هذا النهج المزدوج، الذي جمع بين المقاومة على الأرض والمفاوضات خلف الكواليس، يعكس إرث اتفاقيات أوسلو التي وقعها عام 1993، والتي مثلت تحولاً تاريخياً في مسار منظمة التحرير الفلسطينية لكنها لم تنهِ الصراع. كما أن تأكيد الداية على دعم عرفات لحركة حماس يضيف طبقة أخرى من التعقيد، ويصور زعيماً كان يسعى للحفاظ على وحدة الصف الفلسطيني بمختلف فصائله، وهي استراتيجية تبدو اليوم بعيدة المنال في ظل الانقسام العميق الذي خلفه رحيله.









