تكنولوجيا

حرب الظل الرقمية: عمالقة التكنولوجيا في مواجهة برامج التجسس الإسرائيلية بأمريكا

شركات التجسس الإسرائيلية تخترق السوق الأمريكية.. وأبل وواتساب تتعهدان بالمواجهة.

صحفية في قسم التكنولوجيا بمنصة النيل نيوز، تتابع التطورات التقنية

في خطوة تبدو وكأنها جرس إنذار، أكدت شركتا أبل وواتساب أنهما لن تتراجعا عن تحذير مستخدميهما من هجمات التجسس الحكومية، حتى داخل الولايات المتحدة. قرار يأتي في توقيت دقيق، مع عودة شركتي برمجيات تجسس إسرائيليتين، كانتا يوماً ما على القائمة السوداء، إلى الواجهة الأمريكية بقوة، مما يفتح الباب أمام معركة خفية حول الخصوصية والأمن القومي.

صفقة مثيرة

القصة بدأت تتكشف خيوطها مع إبرام شركة “باراجون سوليوشنز”، المطورة لبرنامج التجسس Graphite، اتفاقاً مع إدارة الرئيس دونالد ترمب. هذا الاتفاق يمنح وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE) وصولاً لأداة قرصنة متطورة للغاية. اللافت في الأمر أن هذه الصفقة كانت قد جُمدت في عهد إدارة بايدن لمخاوف أمنية، لكنها عادت للحياة مجدداً، في تحول يراه مراقبون مؤشراً على تغير أولويات واشنطن تجاه هذه التقنيات الحساسة.

قلق متصاعد

لم يمر الأمر مرور الكرام. فقد أثار الاتفاق قلقاً في أروقة الكونجرس، حيث حذر السيناتور الديمقراطي رون وايدن من أن “استخدام وكالة ICE لبرامج التجسس يزيد المخاوف من انتهاكات لحقوق الأمريكيين”. هذا القلق ليس نظرياً، فشركة “باراجون” نفسها، التي كانت تبدو حتى وقت قريب الوجه النظيف في هذا العالم المظلم، تورطت في فضيحة تجسس بأوروبا استهدفت صحافيين ونشطاء، فيما وصفه رئيس وزراء إيطاليا الأسبق بـ”فضيحة ووترجيت الإيطالية”. يا لها من ورطة.

عودة NSO

وفي خط موازٍ لا يقل أهمية، تعود شركة NSO Group، صاحبة برنامج Pegasus سيئ السمعة، إلى المشهد من بوابة السياسة. الشركة، التي أدرجتها إدارة بايدن على القائمة السوداء، عينت ديفيد فريدمان، سفير ترمب السابق لدى إسرائيل، رئيساً لمجلس إدارتها. هي خطوة سياسية بامتياز، تهدف بوضوح إلى إعادة تأهيل الشركة ورفع العقوبات الأمريكية عنها، مستفيدة من علاقات فريدمان القوية بإدارة ترمب.

تهديد صامت

ما يحدث الآن ليس مجرد صفقات تجارية، بل هو تحول في قواعد اللعبة الأمنية داخل الولايات المتحدة نفسها. فبرامج مثل Graphite وPegasus قادرة على تحويل أي هاتف إلى جهاز تجسس شامل. وكما يقول جون سكوت-رايلتون، الباحث في Citizen Lab، فإن انتشار هذه الأدوات يمثل “تهديداً عالمياً صامتاً”، مضيفاً أن “آخر ما تحتاجه أميركا الآن هو وباء صامت من التجسس الإلكتروني”. إنه تعبير دقيق ومقلق في آن واحد.

في مواجهة هذا الواقع، يبدو أن أبل وواتساب قررتا لعب دور “حارس البوابة الرقمي”. تأكيدهما على مواصلة إرسال إشعارات التهديد، بغض النظر عن الموقع الجغرافي للمستخدم، هو رسالة واضحة بأن معركة الخصوصية لا تعترف بالحدود. إنه صراع بين نماذج أعمال مختلفة: نموذج يعتمد على بيع أدوات الاختراق للحكومات، وآخر يعتمد على كسب ثقة مئات الملايين من المستخدمين حول العالم.

المشهد بات معقداً: عمالقة التكنولوجيا يرفعون راية الخصوصية، وشركات التجسس تعود بقوة عبر بوابات سياسية، والحكومة الأمريكية تقف في منطقة رمادية بين استخدام هذه الأدوات لمصالحها ومواجهة تداعياتها الخطيرة. إنها معركة ستحدد ملامح الخصوصية والأمن في العصر الرقمي، ويبدو أنها بدأت للتو.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *