
شهدت أسواق اللحوم المصرية تراجعًا ملحوظًا في متوسط الأسعار خلال نوفمبر الماضي، بنحو 11.6%، في ظاهرة تعكس حالة من الركود الاقتصادي وتأثيرات انتشار الحمى القلاعية. هذا الانخفاض، الذي قد يثلج صدور المستهلكين مؤقتًا، يثير تساؤلات حول استدامة السوق وصحة الثروة الحيوانية.
وفقًا لمعلومات حصلت عليها “الشرق” من مصادر مطلعة، بلغ سعر الكيلوغرام الواحد من اللحوم حوالي 380 جنيهًا مصريًا (ما يعادل 8 دولارات تقريبًا)، بعد أن كان 430 جنيهًا في أكتوبر السابق. يأتي هذا التراجع في ظل استمرار ظهور إصابات متفرقة بمرض الحمى القلاعية، وهو فيروس شديد العدوى يصيب الماشية ويهدد إنتاج الحليب وقد يؤدي إلى نفوق الحيوانات، مما يضع ضغوطًا إضافية على المربين والسوق على حد سواء.
متحور جديد
تزداد الصورة تعقيدًا مع الكشف عن متحور جديد من فيروس الحمى القلاعية، تم رصده منتصف يوليو الماضي، وبدأت تأثيراته تتجلى بوضوح حاليًا، بحسب مسؤول حكومي تحدث لـ”الشرق”. وقد سجلت السلطات حتى الآن 16 بؤرة عدوى في مختلف أنحاء البلاد، ما يستدعي يقظة مستمرة.
في محاولة لاحتواء الوضع، وصلت حملات التحصين البيطري خلال العام الجاري إلى 12 مليون جرعة ضد الحمى القلاعية، ضمن برنامج وطني أوسع يهدف إلى تحصين الماشية ضد خمسة أمراض رئيسية بإجمالي 26 مليون عملية تحصين. كما تم استخدام نحو 5 ملايين جرعة من لقاح جديد للمرض يُعرف بـ”سات1″ (SAT1)، مع الاعتماد على الإنتاج المحلي بنسبة 90%، وهو ما يعكس جهودًا لتأمين الاكتفاء الذاتي في هذا المجال الحيوي.
تعويضات وتحديات
في خطوة قد تخفف من الأعباء، تدرس الحكومة المصرية حاليًا آليات تعويض المربين المتضررين من انتشار المرض، وفق تصريحات وزير الزراعة علاء فاروق. هذه المبادرة، إن تمت، ستكون بمثابة دعم حيوي لقطاع الثروة الحيوانية الذي شهد نموًا ملحوظًا، حيث ارتفع عدد رؤوس الماشية إلى 8.1 مليون رأس في عام 2024، بزيادة قدرها 6.7% عن العام السابق، وهو ما يبرز أهمية الحفاظ على هذه الثروة الوطنية.
سوق متغيرة
يُشير سعيد زغلول، رئيس شعبة القصابين بغرفة الجيزة التجارية، إلى أن انخفاض سعر الكيلوغرام بـ 50 جنيهًا خلال الشهر الحالي يعود جزئيًا إلى اعتماد السوق المتزايد على اللحوم الحية المستوردة منخفضة التكلفة. هذا التحول يعكس تحديًا للمربين المحليين الذين يواجهون ارتفاعًا في تكاليف التربية والأعلاف، مما يجعل اللحوم البلدية أعلى سعرًا وأقل تنافسية.
ويضيف زغلول أن الحمى القلاعية تساهم في هذا الانخفاض، لكنه يؤكد أن عزوف المشترين نتيجة ارتفاع الأسعار سابقًا كان له دور كبير في دفع التجار لخفضها. ورغم المخاوف، فإن معظم المواشي المصابة تتعافى بفضل انتظام عمليات التحصين، وهو ما يبعث على بعض الطمأنينة في نفوس المربين والمستهلكين.
لا يمكن فصل هذا المشهد المحلي عن السياق العالمي؛ ففي سبتمبر الماضي، سجلت أسعار اللحوم العالمية مستويات قياسية جديدة، في أطول موجة مكاسب شهرية منذ عام 2021، مدفوعة بتقلص أعداد الماشية في الولايات المتحدة وعدم قدرتها على تلبية الطلب القوي على لحوم البقر، بحسب تقارير بلومبرغ. هذا التباين بين السوقين يوضح تعقيدات سلاسل الإمداد وتأثير العوامل الدولية على الأسواق المحلية.
تصدير ورؤية
في خطوة استراتيجية لتعزيز العوائد الدولارية، بدأت مصر مؤخرًا في تصدير اللحوم إلى دول عربية مثل لبنان والأردن. تعتمد هذه العملية على استيراد الماشية من الخارج، ثم تسمينها وتحصينها محليًا لرفع قيمتها المضافة قبل إعادة تصديرها، مما يوفر موردًا اقتصاديًا مهمًا لقطاع الثروة الحيوانية ويدعم الاقتصاد الوطني.
سيطرة وتحصين
من جانبه، يوضح هيثم عبدالباسط، رئيس شعبة القصابين بغرفة القاهرة التجارية، أن انتشار الحمى القلاعية يُعد ظاهرة موسمية تتكرر سنويًا في هذا التوقيت. ويشدد على أن الوضع الصحي للماشية تحت السيطرة في المزارع الكبيرة التي تلتزم بالتحصينات الدورية، مما يقلل من حدة الأزمة.
لكن التحدي الأكبر يكمن في صغار المربين، الذين يستحوذون على 80% من إجمالي الثروة الحيوانية في مصر، بحسب المسؤول الحكومي. فإهمال التحصينات المنتظمة لديهم هو السبب الرئيسي وراء أغلب الإصابات، مما يستدعي حملات توعية مكثفة ودعمًا لوجستيًا لضمان وصول اللقاحات إليهم، حمايةً للثروة الحيوانية وسلامة الغذاء.
في الختام، تعكس ديناميكية أسعار اللحوم في مصر تفاعلات معقدة بين عوامل اقتصادية كبرى مثل الركود، وتحديات صحية كالحمى القلاعية، بالإضافة إلى تحولات في سلوك المستهلكين والمربين. ورغم التراجع الحالي في الأسعار، فإن استقرار السوق على المدى الطويل يتطلب استمرار جهود التحصين، ودعم المربين، وتأمين سلاسل الإمداد، لضمان توفر اللحوم بجودة وسعر مناسبين للمواطن المصري، مع الحفاظ على صحة الثروة الحيوانية التي تمثل ركيزة أساسية للأمن الغذائي.







