
في خطوة تعكس الحضور المتنامي للسينما السودانية على الساحة الدولية، حصد الفيلم الروائي الطويل «ملكة القطن» للمخرجة سوزانا ميرغني، جائزة مرموقة. قصة منسوجة من تراب الأرض، حصدت ذهباً في اليونان، لتتوج بجائزة ألكسندر الذهبي في مهرجان سالونيك السينمائي الدولي، وهو إنجاز يضع الفيلم في مصاف الأعمال العالمية الكبرى.
رحلة عالمية
لم يكن فوز سالونيك هو المحطة الأولى في مسيرة الفيلم الحافلة بالتقدير. فقد بدأ رحلته من أحد أعرق المهرجانات العالمية، حيث شهد عرضه الأول في مسابقة أسبوع النقاد بمهرجان فينيسيا السينمائي. ومن إيطاليا إلى أمريكا الشمالية، استقبلته شاشات مهرجان شيكاجو السينمائي، قبل أن يحط رحاله في العالم العربي عبر مهرجان الدوحة السينمائي. إنها مسيرة مدروسة، تؤكد جودته الفنية وقدرته على مخاطبة جمهور متنوع.
صراع أجيال
في قلب قرية سودانية بسيطة، تدور أحداث الفيلم حول نفيسة، الشابة التي تجد نفسها في خضم صراع وجودي. فالفيلم ليس مجرد حكاية عن زراعة القطن، بل هو في جوهره استعارة بصرية مؤثرة للصراع بين الأصالة والحداثة. من جهة، تقف جدتها “الست”، حارسة التقاليد وقصص الأجداد، ومن جهة أخرى، يظهر رجل أعمال شاب يحمل وعود التنمية والقطن المُعدّل وراثيًا. إنه صراع مألوف، لكنه يُروى هنا بنكهة سودانية خالصة.
قوة ناعمة
تستيقظ نفيسة على قوتها الداخلية، وتتحول من مجرد فتاة تستمع للحكايات إلى صانعة للقرار. يرى مراقبون أن شخصيتها ترمز إلى جيل جديد في السودان والعالم العربي، جيل يسعى للحفاظ على هويته مع الانفتاح على المستقبل. قرارها بإنقاذ حقول القطن هو قرار بإنقاذ ذاكرة المكان ومستقبله في آن واحد، وهي معادلة صعبة، لكنها ضرورية.
إنتاج مشترك
أحد مفاتيح نجاح «ملكة القطن» يكمن في بنيته الإنتاجية. فالفيلم نتاج تعاون دولي واسع بين ألمانيا، فرنسا، فلسطين، مصر، قطر، والسعودية. يُظهر هذا النموذج الإنتاجي، بحسب محللين، حلاً عمليًا لتحديات التمويل التي تواجه السينما في المنطقة، ويؤكد أن القصص المحلية الأصيلة قادرة على جذب شركاء دوليين حين تُقدَّم برؤية فنية واضحة.
في نهاية المطاف، فوز «ملكة القطن» ليس مجرد جائزة تُضاف إلى سجل، بل هو شهادة حية على أن القصص الإنسانية العميقة، حين تُروى بصدق وبراعة، تمتلك القدرة على عبور الحدود والوصول إلى قلوب العالم. إنه انتصار للسينما السودانية التي تثبت، مرة بعد أخرى، أنها تملك الكثير لتقوله.









