من الأقصر.. الفن التشكيلي يستجوب الهوية ويرسم ملامح الحوار الحضاري
في جامعة الأقصر، معرضان فنيان يطرحان أسئلة الهوية المصرية والحوار الإنساني عبر أعمال جرافيكية مبتكرة.

في خطوة تعكس حيوية المشهد الثقافي في صعيد مصر، احتضنت كلية الفنون الجميلة بـجامعة الأقصر حدثًا فنيًا بارزًا، حيث افتتحت الدكتورة صابرين عبد الجليل، رئيسة الجامعة، معرضين تشكيليين يمثلان تيارين فكريين متكاملين: أحدهما يغوص في أعماق الهوية المصرية، والآخر يستلهم الرموز الإنسانية الكونية.
نسغ الحضارات: رمز كوني برؤية مصرية
قدمت الدكتورة رحاب محمد في معرضها «نسغ الحضارات» قراءة بصرية وفلسفية لرمز “الشجرة الكونية”، وهو رمز مشترك يتردد صداه في مختلف الثقافات الإنسانية القديمة. لم تكن الأعمال مجرد لوحات جرافيكية منفذة بتقنيات الحفر الدقيقة، بل كانت بمثابة حوار بصري عميق حول الجذور المشتركة للإبداع الإنساني، وكيف يمكن للفن أن يكون جسرًا يربط بين الماضي والحاضر.
يرى مراقبون أن هذا التوجه الفني لا يستهدف فقط استعراض المهارة التقنية، بل يعكس وعيًا متزايدًا بأهمية البحث عن المشتركات الإنسانية في عالم يموج بالاستقطاب، حيث يصبح الفن أداة لإعادة اكتشاف الوحدة في التنوع.
الهوية المصرية: قراءة فنية معاصرة
على الجانب الآخر، جاء معرض الدكتور وليد محمد، «ضُرب في مصر»، ليقدم رؤية فنية مغايرة ترتكز على الداخل. استلهم الفنان من خلال أعماله رموز التراث الشعبي والمكان المصري، ليصوغ منها لغة بصرية معاصرة. يحمل عنوان المعرض دلالة رمزية قوية، فهو لا يشير فقط إلى الأصالة المتجذرة، بل يطرح سؤالًا حول ملامح الهوية المصرية في القرن الحادي والعشرين.
يقول الناقد الفني الدكتور أيمن السمرى، في تعليقه على هذا التيار: “إن إعادة قراءة الموروث الشعبي فنيًا ليس مجرد حنين للماضي، بل هو محاولة واعية لتفكيك رموزه وتقديمها برؤية تتناسب مع تحديات الحاضر، وهو ما يمنح الهوية المصرية مرونة وقدرة على التجدد”.
دور أكاديمي يتجاوز جدران الكلية
لم يكن حضور قيادات الجامعة وشخصياتها الأكاديمية، مثل الدكتور أحمد محيي عميد الكلية، مجرد إجراء بروتوكولي، بل هو تأكيد على أن المؤسسة الأكاديمية باتت تلعب دورًا محوريًا في تشكيل الوعي الثقافي. فالمعرضان، بتكاملهما بين العالمي والمحلي، يمثلان رسالة مفادها أن الفن الأكاديمي لم يعد حبيس القاعات الدراسية.
وقد أشادت الدكتورة صابرين عبد الجليل بما قدمه المعرضان، مؤكدة أن كلية الفنون الجميلة تمثل “منارة فنية وثقافية تعمل على ترسيخ قيم الهوية المصرية عبر الفنون البصرية”، وهو ما يضع على عاتقها مسؤولية قيادة الحراك الفني في جنوب مصر.
في المحصلة، يتجاوز الحدث كونه مجرد افتتاح لمعرضين فنيين، ليصبح مؤشرًا على نضج التجربة الفنية في الأقصر. إنه يعكس قدرة الفنان المصري على التحرك بوعي بين استلهام التراث المحلي والانفتاح على الحوار الحضاري العالمي، ليؤكد أن الفن يظل الأداة الأكثر بلاغة في التعبير عن الذات وفهم الآخر.









