المتحف الكبير يفتح شهية النقاش: هل تعود الهيروغليفية إلى فصول الدراسة؟
بعد افتتاحه التاريخي، دعوات لإدراج اللغة المصرية القديمة في المناهج لتعزيز الهوية الوطنية.

لم يكن افتتاح المتحف المصري الكبير مجرد حدث ثقافي عالمي، بل أطلق شرارة نقاش مجتمعي متجدد حول سبل تعزيز الهوية المصرية. وفي قلب هذا النقاش، برزت دعوات من شخصيات عامة وفنية تطالب بإدراج اللغة المصرية القديمة ضمن المناهج الدراسية، في خطوة يراها مؤيدوها ضرورية لربط الأجيال الجديدة بتاريخ أجدادهم بشكل أعمق.
زخم وطني نحو الجذور
تستند هذه الدعوات إلى حالة الزخم الوطني التي صاحبت افتتاح الصرح الثقافي الجديد، والتي اعتبرتها الفنانة هالة صدقي “عيدًا حقيقيًا للتاريخ”. فمن وجهة نظرها، يجب استثمار هذا الشعور بالفخر القومي لتحويل دراسة التاريخ من مجرد معلومات نظرية إلى تجربة حية، عبر تعليم النشء اللغة المصرية القديمة كلغة أساسية، وليس فقط كمادة تاريخية هامشية. هذه الرؤية تربط بين المعرفة اللغوية والفهم الحضاري، معتبرة أن اللغة هي المدخل الحقيقي لروح أي حضارة.
حصن ضد طمس الهوية
على المنوال ذاته، ذهب الإعلامي أحمد موسى إلى ما هو أبعد، حيث وجه دعوته مباشرة إلى وزارة التربية والتعليم، مؤكدًا أن تعليم لغة الأجداد وتاريخهم يمثل خط دفاع أساسيًا لحماية الهوية المصرية من محاولات التشويه. وبحسب مراقبين، فإن هذا الطرح يلامس مخاوف أوسع نطاقًا تتعلق بتأثير العولمة الثقافية على الأجيال الشابة، حيث يُنظر إلى تعزيز الانتماء الوطني عبر بوابة التاريخ كأداة فعالة للحفاظ على الخصوصية الحضارية لمصر.
بين الطموح الثقافي والتحديات التربوية
رغم وجاهة هذه المطالب، يرى خبراء تربويون أن تطبيقها يواجه تحديات عملية لا يمكن إغفالها. فإدراج لغة جديدة يتطلب إعداد معلمين متخصصين، وتصميم مناهج دراسية مبسطة وجذابة، وتحديد المرحلة العمرية الأنسب للبدء في تدريسها. وفي هذا السياق، يقول الدكتور سليم الأنصاري، الخبير في تطوير المناهج، إن “الفكرة ممتازة من حيث المبدأ، لكن نجاحها مرهون بتحويلها إلى مشروع تربوي متكامل لا يضيف عبئًا على الطلاب، بل يفتح لهم نافذة شيقة على ماضيهم”.
ويضيف الأنصاري أن التجربة يمكن أن تبدأ بمواد اختيارية أو أنشطة لا صفية مرتبطة بالرحلات المدرسية إلى المواقع الأثرية والمتحف المصري الكبير، لقياس مدى استجابة الطلاب قبل تعميمها. هذا النهج التدريجي قد يضمن تحقيق الهدف الثقافي دون الإخلال بالمنظومة التعليمية القائمة.
استثمار في القوة الناعمة
في المحصلة، يتجاوز الجدل الدائر حول تدريس اللغة المصرية القديمة مجرد كونه مطلبًا ثقافيًا، ليلامس أسئلة أعمق حول فلسفة التعليم ودور التراث في تشكيل الوعي الوطني. ففي وقت تسعى فيه مصر لتعزيز مكانتها كقوة ثقافية إقليمية، يصبح إحياء رموز حضارتها العريقة، ومنها اللغة، استثمارًا طويل الأمد في قوتها الناعمة. وبينما يبقى تطبيق الفكرة رهنًا بقرارات سياسية ودراسات تربوية، فإن مجرد طرحها يعكس الأثر العميق الذي تركه المتحف في الوجدان العام، محولاً إياه من مجرد صرح أثري إلى محفز للتفكير في مستقبل الهوية المصرية.









