اقتصاد

هدنة ترامب وشي تشعل أسعار فول الصويا: هل تعود بكين لحضن المزارع الأمريكي؟

بعد سنوات من الحرب التجارية، الصين تعود لشراء فول الصويا الأمريكي بكميات ضخمة. الأسعار تسجل أعلى قفزة شهرية منذ 5 سنوات، لكن المحللين يحذرون من التفاؤل المفرط.

في خطوة تعكس دفء العلاقات التجارية المؤقت بين واشنطن وبكين، سجلت أسعار فول الصويا العالمية قفزة تاريخية، مدفوعة بعودة الصين بقوة إلى السوق الأمريكية بعد القمة التي جمعت الرئيسين دونالد ترامب وشي جين بينغ. هذه العودة أنهت شهورًا من الجمود الذي ألحق ضررًا بالغًا بالمزارعين الأمريكيين، وأشعلت المضاربات في الأسواق العالمية.

تفاصيل الصفقة الجديدة

أكدت مصادر مطلعة أن الصين أبرمت صفقات لشراء ما لا يقل عن 4 شحنات من فول الصويا الأمريكي، بإجمالي يصل إلى 250 ألف طن. ومن المقرر تسليم هذه الشحنات خلال الفترة المتبقية من العام الحالي ومطلع عام 2026، مما يشير إلى التزام يمتد إلى ما بعد الأفق الزمني القصير، حيث سيتم الشحن من مناطق حيوية مثل الساحل الشمالي الغربي وخليج المكسيك.

التصريحات الرسمية الأمريكية جاءت أكثر تفاؤلًا، حيث أعلنت وزيرة الزراعة بروك رولينز أن بكين وافقت على شراء 12 مليون طن هذا العام، مع خطط لزيادة الكمية إلى 25 مليون طن سنويًا خلال السنوات الثلاث المقبلة. هذا الإعلان دفع العقود المستقبلية للمحصول في بورصة شيكاغو لتسجيل أعلى مستوى لها منذ 16 شهرًا، محققة مكاسب شهرية بلغت 11% في أكتوبر، وهي الأكبر في 5 سنوات.

انفراجة للمزارعين أم عودة للواقع؟

تمثل هذه الصفقة متنفسًا حيويًا للمزارعين الأمريكيين الذين تحملوا وطأة الحرب التجارية وارتفاع تكاليف الإنتاج، خاصة بعد أن حولت الصين بوصلة وارداتها نحو أمريكا الجنوبية، وتحديدًا البرازيل. وعلق ترامب بأسلوبه المعتاد قائلًا: “مزارعونا سعداء للغاية. أنصحهم بشراء جرارات أكبر”، في إشارة إلى حجم الانفراجة المتوقعة.

لكن خلف الأرقام الضخمة وتصريحات ترامب المتفائلة، تكمن حقيقة أكثر تعقيدًا. فالصفقة الحالية، رغم ضخامتها، لا تمثل نموًا جديدًا بقدر ما هي استعادة لمستويات التجارة التي كانت قائمة قبل اندلاع التوترات. لقد نجحت بكين خلال السنوات الماضية في تنويع مصادرها وتقليل اعتمادها الاستراتيجي على المحاصيل الأمريكية، وهو تحول هيكلي قد لا تغيره صفقة واحدة، مهما كانت كبيرة.

شكوك السوق ومعضلة الرسوم

يترجم هذا الواقع نفسه في حذر واضح بين المتعاملين في السوق، الذين يترددون في بناء مراكز شرائية ضخمة دون تأكيد صيني رسمي وواضح. هذا التردد، الذي أشار إليه المحلل كارل سيتزر، تسبب في تقلبات حادة في الأسعار خلال الجلسات الأخيرة. فالأسواق تدرك جيدًا أن الخلافات الجوهرية بين البلدين لا تزال قائمة، وأن أي تصعيد سياسي مفاجئ قد ينسف هذه الاتفاقات الهشة.

تظل الرسوم الجمركية هي العقدة الأبرز. يتوقع التجار أن تخفض بكين رسومًا إضافية بنسبة 10% فرضتها كإجراء انتقامي، لكن حتى لو حدث ذلك، ستبقى رسوم أساسية بنسبة 13% على فول الصويا الأمريكي. هذه النسبة تجعله أقل جاذبية من الناحية الاقتصادية مقارنة بالإمدادات البرازيلية المعفاة، وهو ما يفسر لماذا لا تزال الشركات الصينية الخاصة مترددة في العودة للسوق الأمريكية.

وتقود الشركات الحكومية الصينية، مثل “كوفكو غروب”، عمليات الشراء الحالية، وهو ما يؤكد أن الدافع سياسي بالدرجة الأولى. غياب الحماس لدى القطاع الخاص يعني أن استدامة هذه التدفقات التجارية مرهونة باستقرار الإرادة السياسية، وهو أمر غير مضمون في ظل العلاقات المتقلبة بين القوتين العظميين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *