سوريا تفتح أبوابها للاستثمار الدولي في مرحلة ما بعد الصراع
دمشق تستهدف مليارات الدولارات من الخليج وأوروبا وأمريكا لإعادة بناء الاقتصاد المتضرر بعد التحولات السياسية

تستعد سوريا لإطلاق جولة ترويجية دولية مكثفة خلال الأشهر القليلة المقبلة، بهدف جذب استثمارات ضخمة من دول الخليج وأوروبا والولايات المتحدة. تأتي هذه الخطوة في إطار مساعي دمشق الحثيثة لإعادة بناء اقتصادها الذي أنهكته سنوات طويلة من الصراع، في محاولة لاستعادة عافيته وتوفير فرص جديدة.
منذ أن شهدت البلاد تحولات سياسية كبرى أدت إلى تشكيل حكومة جديدة، أعلنت السلطات السورية أن المستثمرين يناقشون حاليًا استثمارات محتملة تقدر بمليارات الدولارات. ورغم أن عددًا قليلًا من هذه الصفقات قد تم إقراره فعليًا حتى الآن، إلا أن التوقعات تشير إلى زخم متزايد في هذا الاتجاه، مدفوعًا بآمال التعافي الاقتصادي.
وفي سياق متصل، كان قرار سابق برفع بعض العقوبات الأمريكية عن سوريا، قد ساهم في تسهيل تدفق الأموال إلى البلاد التي عانت من ويلات الحرب الأهلية منذ عام 2011. هذا القرار، الذي جاء في مرحلة سابقة، يُنظر إليه كخطوة تمهيدية مهمة لفتح آفاق أوسع أمام التعاون الاقتصادي الدولي، ويُعد عاملًا محفزًا للمستثمرين.
اقرأ المزيد: رفع العقوبات عن سوريا
جهود مضاعفة لجذب الأموال لإعادة التأهيل
أكد وزير الاقتصاد، محمد نضال الشعار، أن معظم الصفقات التي تم توقيعها حتى الآن تُعد “جدّية” وتعكس اهتمامًا حقيقيًا بالفرص المتاحة في سوريا. وأوضح الشعار، في مقابلة على هامش “منتدى المرونة المستقبلية” في لندن، أن دمشق تسعى بقوة لجذب المزيد من الأموال لدعم جهود إعادة التأهيل الشاملة لمختلف القطاعات الحيوية.
وأضاف الوزير أن التشكيل المرتقب للبرلمان الجديد خلال الشهر أو الشهرين المقبلين، يُتوقع أن يمهد الطريق أمام إصدار تشريعات اقتصادية أكثر ملاءمة ومرونة للمستثمرين. هذه الخطوات التشريعية تهدف إلى توفير بيئة جاذبة ومحفزة لرؤوس الأموال الأجنبية، مما يعزز الثقة في السوق السوري ويقلل من المخاطر المحتملة.
وفي كلمته أمام المنتدى، قدم الشعار رؤية واضحة لمستقبل إعادة الإعمار بعد الحرب، مؤكدًا على أن “الأسواق ستحل محل الميليشيات” وأن “الحوكمة ستحل محل الفساد”. هذه الرؤية تعكس التزام الحكومة الجديدة بترسيخ دعائم دولة المؤسسات والاقتصاد الحر، بعيدًا عن الفوضى والصراعات التي عطلت التنمية.
رهان سوريا على النفط والغاز كقاطرة للنمو
وفي سياق متصل، أشار الوزير إلى أن سوريا تهدف إلى إنعاش إنتاجها من النفط والغاز، الذي يُعد ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني. وقد تتطلع دمشق إلى إشراك مستثمرين خليجيين في مشاريع مستقبلية بقطاع الطاقة، للاستفادة من خبراتهم ورؤوس أموالهم في هذا المجال الحيوي الذي يمثل عصب الصناعة.
وأوضح الشعار أن البلاد بحاجة ماسة إلى الغاز لتشغيل المصانع التي تُعاني بشدة من نقص الطاقة، مؤكدًا أن تكلفة الإنتاج ستكون منخفضة بمجرد استعادة الموارد الطبيعية. هذا التركيز على الطاقة يعكس إدراكًا لأهميتها في دفع عجلة الصناعة وتوفير فرص العمل، وبالتالي تحقيق تنمية اقتصادية مستدامة.
ومع ذلك، لم يغفل الوزير الإشارة إلى أن إنتاج النفط يعوقه حاليًا “عقبات سياسية” معقدة في شمال شرق البلاد. هذه العقبات تمثل تحديًا كبيرًا أمام استعادة السيطرة الكاملة على الموارد الحيوية، وتتطلب حلولًا سياسية تتجاوز الجوانب الاقتصادية البحتة لضمان استقرار الإنتاج.
تسيطر “قوات سوريا الديمقراطية” على معظم حقول النفط والغاز في شمال شرق البلاد، مما يضع تحديًا أمام الحكومة المركزية في دمشق. ورغم أن اتفاقًا سابقًا قد أبرم لوضع هذه الحقول تحت سيطرة الدولة، إلا أن هذا الاتفاق لم يتحقق بعد، مما يؤكد على استمرار التوترات والصراعات على الموارد الاستراتيجية.
وفي إشارة إلى الاهتمام الإقليمي، أضاف الوزير أن صندوق الاستثمارات العامة السعودي أبدى اهتمامًا بمشاريع في قطاعات مختلفة داخل سوريا، بما في ذلك التصنيع والطاقة. هذا الاهتمام يعكس تحولًا محتملًا في العلاقات الإقليمية وفتح آفاق جديدة للتعاون الاقتصادي بين دمشق والرياض، مما قد يدعم جهود إعادة الإعمار.




