أزمة الغواصات الأمريكية: تأخير الإنتاج يهدد التفوق البحري أمام الصين
في ظل سباق التسلح البحري مع بكين، تواجه صناعة الغواصات الأمريكية تحديات غير مسبوقة في الإنتاج والقوى العاملة، مما يثير القلق حول مستقبل الهيمنة البحرية لواشنطن.

في وقت تستعرض فيه الصين قوتها البحرية بغواصات مسيرة جديدة، تواجه صناعة الغواصات الأمريكية تحديات غير مسبوقة تهدد تفوقها التاريخي. تأخيرات متتالية في الإنتاج ونقص حاد في العمالة يضعان البحرية الأمريكية في موقف حرج، ويثيران تساؤلات حول قدرتها على الحفاظ على ميزتها الاستراتيجية طويلة الأمد.
فجوة صناعية في مواجهة التنين الصيني
كشف استعراض عسكري في بكين عن غواصة صينية جديدة بدون طاقم، مصممة لمراقبة السفن الأمريكية وكابلات قاع البحر، في استعراض واضح للاستثمارات الضخمة في الصناعات البحرية الصينية. على الجانب الآخر من المحيط الهادئ، تكافح صناعة الغواصات الأمريكية للخروج من أزمتها بعد سنوات من تأخير الإنتاج، وارتفاع التكاليف، وتآكل القاعدة الصناعية التي كانت يومًا ما فخر الترسانة العسكرية للبلاد.
تعود جذور الأزمة الحالية إلى عقود مضت، وتحديدًا إلى ما عُرف بـ”مكاسب السلام” بعد انتهاء الحرب الباردة، حيث تم اتخاذ قرار واعٍ بتقليص حجم القاعدة الصناعية الدفاعية. هذا القرار، كما يصفه الأميرال المتقاعد جيمس فوغو، “لم يؤتِ ثماره”، حيث تجد الولايات المتحدة نفسها اليوم في سباق محموم لإعادة بناء ما فقدته، في ظل بيئة جيوسياسية متغيرة وتنافس متصاعد مع الصين.
برامج رئيسية تحت ضغط التأخير
تتركز المخاوف بشكل أساسي حول برنامجين من الجيل التالي: غواصات الصواريخ الباليستية من فئة “كولومبيا”، وغواصات الهجوم النووية من فئة “فرجينيا”. غواصات “كولومبيا”، التي تشكل الركيزة الأكثر أمانًا في الثالوث النووي الأميركي، تواجه تأخيرًا يصل إلى عامين في تسليم أول قطعة منها، مع ارتفاع التكلفة إلى أكثر من 16 مليار دولار، بزيادة 12% عن التقديرات الأولية.
الأمر لا يختلف كثيرًا بالنسبة لغواصات فئة “فرجينيا” الهجومية، حيث يتأخر تسليم بعضها لمدة تصل إلى ثلاث سنوات. هذا الوضع المحفوف بالمخاطر، كما وصفه وزير البحرية جون فيلان، يضعف قدرة الولايات المتحدة على “إظهار القوة أو ضمان حرية الملاحة”، خاصة وأن أسطول الغواصات يُعتبر الورقة الرابحة لواشنطن في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
التزامات “AUKUS” في مهب الريح
يمتد تأثير هذه التأخيرات إلى ما هو أبعد من القدرات الدفاعية الأمريكية، ليهدد بشكل مباشر التزامات واشنطن بموجب اتفاقية AUKUS الأمنية مع أستراليا والمملكة المتحدة. تتضمن الاتفاقية تزويد أستراليا بغواصات من فئة “فرجينيا”، وهو ما يبدو صعب التحقيق في ظل عجز خطوط الإنتاج الحالية عن تلبية الطلب المحلي، حيث يبلغ معدل الإنتاج 1.2 غواصة سنويًا، وهو أقل بكثير من الهدف المتمثل في غواصتين.
أزمة العمالة الماهرة.. التحدي الأكبر
يُعد نقص العمالة الماهرة أحد الأسباب الجذرية للأزمة. تحتاج القاعدة الصناعية للغواصات إلى توظيف ما لا يقل عن 100 ألف عامل خلال العقد المقبل، وهي مهمة شاقة في ظل تحول الاقتصاد الأمريكي إلى اقتصاد قائم على الخدمات، والمنافسة الشرسة على المواهب. تعاني أحواض بناء السفن من ارتفاع معدلات دوران العمالة، مما يؤثر على نقل الخبرات وجودة الإنتاج.
لمواجهة هذا التحدي، أطلقت البحرية برامج تدريب مكثفة مثل “برنامج التدريب السريع في التصنيع الدفاعي”، الذي يهدف إلى تأهيل جيل جديد من الفنيين والمهندسين. يمثل ويليام كايسن، جندي المارينز السابق البالغ من العمر 39 عامًا، نموذجًا لهذه الجهود، حيث انضم للبرنامج لتعلم مهارات التصنيع الموجه بالحاسوب، استعدادًا للانخراط في هذه الصناعة الحيوية.
هل الريادة الأمريكية في خطر؟
على الرغم من أن الغواصات الأمريكية لا تزال تتفوق تقنيًا على نظيراتها الصينية بفارق زمني يقدر بخمس إلى عشر سنوات، خاصة في مجالات التخفي والدفع النووي، إلا أن سرعة الإنتاج الصينية تثير قلق الحلفاء والخبراء. تشير التقديرات إلى أن الصين قادرة على بناء ما يصل إلى 6 غواصات نووية سنويًا، وقد يصل أسطولها إلى 80 غواصة بحلول عام 2035.
يضخ الكونغرس مليارات الدولارات لإنقاذ الموقف، مع تخصيص ميزانيات ضخمة لدعم الموردين وتطوير البنية التحتية ورفع الأجور. لكن الخبراء يحذرون من أن رؤية نتائج ملموسة لهذه الاستثمارات قد تستغرق سنوات. وفيما يبدو ويليام كايسن وزملاؤه متفائلين بالمستقبل، فإن التحدي أمامهم كبير للحاق بالركب وضمان بقاء التفوق البحري الأمريكي.







