فن

فيلم عيد ميلاد سعيد: إشادة دولية وجدل حول العمق الفني

تحليل نقدي لفيلم عيد ميلاد سعيد: هل تغلبت الجوائز العالمية على ضعف المعالجة لقضايا الفوارق الطبقية وعمالة الأطفال؟

يحظى فيلم “عيد ميلاد سعيد” باستقبال حافل على المستويين المحلي والدولي، متوجًا بثلاث جوائز من مهرجان “تريبيكا” واختياره لتمثيل مصر في الأوسكار. لكن خلف هذا النجاح، يثور تساؤل حول ما إذا كانت هذه القصة الإنسانية المؤثرة قد اكتفت بالسطح دون الغوص في أعماق قضاياها الشائكة المتعلقة بـالفوارق الطبقية.

يقدم الفيلم قصة إنسانية بسيطة ومؤثرة، بسيناريو جيد البناء وخط سردي مباشر، مع أداء طبيعي يخطف القلوب من بطلته الطفلة ضحى رمضان. ويقف خلف العمل فريق محترف يضم كتاب آل دياب (خالد وشيرين ومحمد)، ونجومًا بحجم نيللي كريم، حنان مطاوع، شريف سلامة، وحنان يوسف، تحت قيادة المخرجة سارة جوهر في أول أعمالها، مما يطرح سؤالًا جوهريًا: لماذا يبدو أن هناك شيئًا ناقصًا رغم اكتمال العناصر؟

استقبال حافل وجدل نقدي

انتزع “عيد ميلاد سعيد” ثلاث جوائز مرموقة من مهرجان “تريبيكا” لأفضل فيلم وسيناريو، وجائزة نورا إيفرون لأفضل فيلم نسوي، كما حظي بإشادات نقدية دولية. هذا النجاح عزز من فرصه بعد اختياره لتمثيل مصر في مسابقة الأوسكار لأفضل فيلم دولي، وهو ما قد يؤهله للقائمة القصيرة، ليصبح أول فيلم مصري روائي يحقق هذا الإنجاز. لكن رغم هذا كله، يرى نقاد أن الفيلم جيد، لكنه يكتفي بذلك دون أن يرتقي لمصاف الأعمال السينمائية العظيمة.

يحمل الفيلم إمكانات فنية هائلة، كان من الممكن أن تضعه في مصاف أفلام عالمية مثل Roma أو Shoplifters، لكنه يتوقف في منتصف الطريق. يستسلم العمل للمعالجات التقليدية في الكتابة والتنفيذ، مما يحرمه من الوصول إلى عمق أكبر كان يمكن أن يلامسه، ويترك الجمهور أمام عمل جيد كان يمكن أن يكون استثنائيًا.

بناء درامي متسارع

تبدأ الأحداث مع الطفلتين “توحة” (ضحى رمضان)، الخادمة، و”نيللي” (خديجة أحمد)، ابنة أصحاب المنزل، حيث نكتشف الفارق الطبقي بينهما تدريجيًا. الأم “ليلى” (نيللي كريم) تستعد للطلاق والانتقال، لكنها تقرر إقامة حفل عيد ميلاد لابنتها أملًا في إصلاح علاقتها بزوجها (شريف سلامة)، وهو ما يضع “توحة” أمام حلم مشاهدة أول عيد ميلاد في حياتها.

يعتمد الفيلم على قالب اليوم الواحد، من الفجر إلى فجر اليوم التالي، وهو بناء درامي يفرض تزاحمًا وتسارعًا في الأحداث لا يتناسب مع طبيعة الدراما الهادئة للفيلم. فقرار إقامة الحفل، ودعوة الأقارب، وشراء المستلزمات، وحضور الزوج الذي يبدو متفاجئًا، كلها أحداث تقع في ساعات معدودة، مما يضعف من واقعية المنطق الدرامي للقصة.

شخصية “توحة”.. بين الذكاء والتناقض

تُعد شخصية “توحة” من أفضل ما في الفيلم؛ فهي طفلة قوية، ذكية، وقادرة على التلاعب للحصول على ما تريد. لكن هذا الرسم يتناقض مع سذاجتها المفرطة وجهلها بوضعها الطبقي. من الصعب تصديق أن طفلة نشأت في بيئة فقيرة وعملت في سن مبكرة لا تدرك الفوارق الطبقية الحادة بين عالمها وعالم مخدومتها، وهو ما يجعل دافعها الرئيسي لحضور الحفل يبدو سطحيًا إلى حد ما.

على عكس خادمة فيلم Roma، التي تظهر وعيًا عميقًا بوضعها الاجتماعي، تبدو “توحة” وكأنها تجهل حقيقة مكانتها، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى واقعية الشخصية. فالفقر المدقع عادة ما يمنح أصحابه، صغارًا وكبارًا، وعيًا مبكرًا وحادًا بموقعهم في الهيكل الاجتماعي، وهي نقطة يتجاوزها الفيلم لصالح بناء درامي أكثر بساطة.

معالجة حذرة لقضايا شائكة

يجيد الفيلم رسم التوازيات البصرية بين حياة الكومباوند النظيفة والباردة، وحياة العشوائيات المتربة والمفعمة بالحياة. لكنه في معالجته لقضايا مثل عمالة الأطفال والطبقية، يظل على السطح. يتناول الفيلم هذه القضايا بلمسة إنسانية رقيقة، لكنه يتجنب الخوض في أسبابها أو طرح تساؤلات جذرية قد تزعج جمهوره المستهدف من الطبقتين الوسطى والعليا.

يظهر ذلك بوضوح في مشهد عاملة محل الملابس التي تهدد بالإبلاغ عن “ليلى” لتشغيلها طفلة، وهو موقف يبدو مصطنعًا وموجهًا لعقلية غربية أكثر منه انعكاسًا للواقع المصري. فالفيلم يسعى لإثارة التعاطف والشفقة، لكنها شفقة آمنة لا تتحول إلى وعي نقدي أو شعور بالمسؤولية، وتحافظ على مسافة طبقية مريحة بين المشاهد وشخصيات مثل “توحة”.

إنتاج يكرس السائد

إنتاجيًا، يميل فيلم عيد ميلاد سعيد ليكون جزءًا من “التيار السائد” عبر اعتماده على النجوم في الأدوار الرئيسية والثانوية. هذا الأسلوب “الهوليوودي” يمنح الفيلم طبقة لامعة تتعارض مع خشونة مضمونه الواقعي. يمتد هذا النهج إلى الحوار المباشر، وغياب المساحات الصامتة، والاعتماد المفرط على الموسيقى التصويرية، مما يغلف كل شيء بطبقة من العواطف المفرطة.

في النهاية، يبدو مصير “توحة” كأنه قدر محتوم لا يمكن تغييره، والفيلم لا يدعو لتغييره بقدر ما يدعو للتعامل معه بإنسانية. يخرج المشاهد متعاطفًا مع الطفلة، لكن هذا التعاطف يظل شعورًا عابرًا لا يتطور إلى فهم أعمق لتعقيدات الواقع الاجتماعي، وهو ما يمثل الفرصة الضائعة الأكبر في هذا العمل الجيد فنيًا والمحدود فكريًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *