صفقة تيك توك: خطة ترامب لتحويل واشنطن إلى لاعب رئيسي في الإعلام الرقمي

في تحول جذري يعيد تعريف علاقة الدولة بالقطاع الخاص، تقترب إدارة ترامب من إتمام صفقة تيك توك التي تمنح الحكومة الأمريكية نفوذاً غير مسبوق على واحدة من أهم منصات التواصل الاجتماعي. هذه الخطوة لا تمثل مجرد صفقة تجارية، بل هي تتويج لنهج اقتصادي جديد يرى في الحكومة مستثمراً نشطاً وموجهاً رئيسياً للسوق.
نهج حكومي جديد
لم تكن صفقة تيك توك وليدة اللحظة، بل جاءت ضمن سلسلة من التحركات التي رسخت دور الحكومة كلاعب اقتصادي محوري. ففي يونيو الماضي، حصلت الإدارة على “حصة ذهبية” في شركة “يو إس ستيل” لضمان السيطرة الأمريكية حتى بعد استحواذ “نيبون ستيل” اليابانية عليها. تبع ذلك الاستحواذ على حصة 10% في شركة “إنتل” المتعثرة، مما يعكس استراتيجية أوسع تعتمد على التدخل المباشر واستخدام الرسوم الجمركية كأداة ضغط تفاوضية.
وقد ظهر هذا الأسلوب بوضوح في الاتفاق مع شركة “فايزر” في سبتمبر، حيث وافقت عملاقة الأدوية على بيع منتجاتها مباشرة للمستهلكين عبر منصة “ترمب آر إكس” (TrumpRx) مقابل الحصول على إعفاءات جمركية. كل هذه الخطوات مهدت الطريق أمام التحول الأكبر: السيطرة على منصة يستخدمها نصف الأمريكيين تقريباً.
تفاصيل السيطرة على تيك توك
وقّع الرئيس ترامب الأمر التنفيذي للموافقة على الصفقة في المكتب البيضاوي، مؤكداً أنها تهدف إلى تأمين بيانات المستخدمين وحمايتهم من الدعاية الأجنبية. لكن خلف هذه الأهداف المعلنة، تكمن تفاصيل تمنح الإدارة دوراً محورياً في تشغيل التطبيق. فبموجب الاتفاق، ستتعاون الحكومة مع شركة “أوراكل” لتطوير نسخة أمريكية من تيك توك، وتدريب خوارزمياتها، وفحص شفرتها المصدرية.
الأمر الأكثر أهمية هو أن الأمر التنفيذي ينص صراحة على أن “المدعي العام سيتلقى أي معلومات من الشركة الجديدة”، وأن “شركاء الأمن الموثوق بهم قد يشاركون المعلومات مع مسؤولين آخرين في الحكومة”. هذا البند يفتح الباب أمام وصول حكومي واسع النطاق إلى بيانات المستخدمين، وهو ما يمثل تغييراً جذرياً في قواعد الخصوصية التي لطالما قاومت شركات التكنولوجيا الكبرى المساس بها.
من بكين إلى واشنطن: تبادل أدوار؟
المفارقة هنا أن المخاوف التي دفعت نحو هذه الصفقة، والمتمثلة في قدرة الحكومة الصينية على إجبار “بايت دانس” على تسليم البيانات بموجب قوانين الأمن القومي، قد تتكرر ولكن هذه المرة مع الحكومة الأمريكية. فإذا مضت الصفقة قدماً، سيتمتع الرئيس وحلفاؤه بنفوذ هائل للتأثير على سياسات إدارة المحتوى وكيفية تعامل المنصة مع طلبات أجهزة إنفاذ القانون.
يأتي هذا في وقت أظهر فيه استحواذ إيلون ماسك على “تويتر” (منصة إكس حالياً) كيف يمكن للملكية ذات الدوافع السياسية أن تغير طبيعة المنصة بالكامل. فقد ألغى ماسك ضوابط المحتوى السابقة وحوّل المنصة إلى بوق سياسي داعم لترامب، وهو ما يثير تساؤلات حول مستقبل تيك توك تحت النفوذ الحكومي المباشر وغير المباشر.
لاعبون مؤثرون وتحديات قائمة
رغم أن الشروط النهائية للصفقة لا تزال قيد التفاوض وتتطلب موافقة بكين، فإن هيكلها الحالي يضع حلفاء ترامب في قلب المشهد. الملياردير لاري إليسون، مؤسس “أوراكل” وصديق ترامب، ستتولى شركته تأمين المشروع الجديد، كما أشار ترامب إلى أن عائلة مردوخ، مالكة “فوكس نيوز”، من بين المستثمرين المحتملين. هذا التقاطع بين السلطة السياسية ورأس المال الإعلامي يطمس الخطوط الفاصلة بين الحكومة والقطاع الخاص.
وفيما يرى البعض أن تسليم المنصة لشركات أمريكية عريقة مثل “أوراكل” يضمن حماية المواطنين، يرى آخرون أن هذا ينقل القدرة على التحكم في المعلومات من بكين إلى واشنطن. وكما قال جيم سيكريتو، المسؤول السابق بوزارة الخزانة: “يشعر الكثيرون بالقلق مما قد يرغب شي جين بينغ في أن يراه الأمريكيون، ولكن هناك أيضاً أمريكيون كثر قد يشعرون بالقلق بشأن ما يريد لاري إليسون أن يروه”.









