أزمة سياسية في فرنسا: لغز استقالة 5 حكومات تهز عرش ماكرون

أزمة سياسية في فرنسا: لغز استقالة 5 حكومات تهز عرش ماكرون
كتبت: سهر عبد الرحيم
في مشهد سياسي بات أقرب إلى “لعبة الكراسي الموسيقية”، يواجه قصر الإليزيه عاصفة غير مسبوقة من عدم الاستقرار. ففي أقل من عامين، مر على فرنسا خمسة رؤساء وزراء، في ظاهرة تكشف عن عمق الأزمة السياسية في فرنسا التي تعصف بعهد الرئيس إيمانويل ماكرون الثاني، وتضع مستقبل الجمهورية الخامسة على المحك.
استقالة سيباستيان ليكورنو، بعد أيام قليلة من تعيينه، لم تكن مجرد حدث عابر، بل كانت القشة التي قصمت ظهر البعير، مؤكدة أن سفينة الحكم في باريس تبحر في مياه مضطربة، وسط برلمان منقسم يرفض منح الرئيس الفرنسي الأغلبية التي يحتاجها لتمرير سياساته.
دوامة استقالات لا تتوقف
لم يكن ليكورنو سوى الحلقة الأحدث في سلسلة من الحكومات التي سقطت تباعًا، تاركةً وراءها فراغًا سياسيًا وإحساسًا عامًا بالإرهاق. القائمة تطول وتكشف نمطًا متكررًا من الصدامات السياسية:
- سيباستيان ليكورنو (سبتمبر 2025): صاحب أقصر ولاية، سقطت حكومته قبل أن تبدأ فعليًا بسبب رفض المحافظين تشكيلته الوزارية، مما هدد بانهيار الائتلاف الحاكم الهش.
- فرانسوا بايرو (ديسمبر 2024 – سبتمبر 2025): أطاح به البرلمان عبر سحب الثقة بسبب خططه التقشفية الصارمة لمواجهة الدين المتضخم، وهي القضية التي باتت “عقدة المنشار” لكل الحكومات.
- ميشيل بارنييه (سبتمبر 2024 – ديسمبر 2024): لم يصمد سوى ثلاثة أشهر، وسقط بنفس السيناريو، حيث حاولت حكومته تمرير الميزانية دون تصويت برلماني، فكانت النتيجة سحب الثقة.
- جابرييل أتال (يوليو 2024): جاءت استقالته كنتيجة مباشرة لفشل معسكر ماكرون في تحقيق الأغلبية بالانتخابات التشريعية المبكرة، مما أعلن بداية فصل جديد من عدم الاستقرار.
- إليزابيث بورن (يوليو 2024): استقالت بعد فترة مليئة بالاضطرابات، شهدت تمرير قوانين مثيرة للجدل كنظام التقاعد والهجرة، والتي قسمت معسكرها وأضعفت شعبيتها.
جذور الأزمة: ماكرون وحيدًا في مواجهة البرلمان
تعود جذور هذه الأزمة إلى نتائج الانتخابات التشريعية لعام 2022، حين خسر الرئيس إيمانويل ماكرون أغلبيته المطلقة في الجمعية الوطنية. هذا الواقع الجديد أجبره على البحث عن تحالفات صعبة ومتقلبة، خاصة مع اليمين المحافظ، الذي يستخدم قوته لفرض شروطه أو إسقاط الحكومات متى شاء.
تعتبر قضية الدين العام الفرنسي، الذي تجاوز 3 تريليونات يورو، المحرك الرئيسي للصراع. فكلما حاولت حكومة فرض إجراءات تقشفية لخفض الميزانية، اصطدمت برفض قاطع من أحزاب المعارضة، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، الذين يتحدون لإسقاطها عبر آلية سحب الثقة، مما يجعل مهمة أي رئيس وزراء شبه مستحيلة.
مستقبل غامض للجمهورية الخامسة
هذا المشهد من عدم الاستقرار الحكومي لا يهدد فقط قدرة رؤساء وزراء فرنسا على تنفيذ برامجهم، بل يلقي بظلال من الشك على فعالية النظام السياسي الفرنسي نفسه. ومع اقتراب نهاية ولايته، يجد ماكرون نفسه في سباق مع الزمن لإيجاد مخرج من هذا المأزق، فهل ينجح في تشكيل جبهة مستقرة، أم ستستمر الجمهورية الخامسة في العيش على وقع أزمات متتالية؟









