اقتصاد

سباق الذكاء الاصطناعي: كيف تربح أوروبا الرهان بعيدًا عن أضواء ‘إنفيديا’؟

سباق الذكاء الاصطناعي: كيف تربح أوروبا الرهان بعيدًا عن أضواء ‘إنفيديا’؟

في الوقت الذي تتجه فيه أنظار العالم نحو عمالقة التكنولوجيا في وادي السيليكون، مدفوعة بحمى الذكاء الاصطناعي التي تدفع أسواق الأسهم لمستويات قياسية، تدور في أوروبا قصة مختلفة، ثورة هادئة لكنها لا تقل أهمية. هنا، يتركز الرهان ليس على البرمجيات والخوارزميات، بل على الشرايين التي تغذي هذه الثورة: البنية التحتية الصلبة التي تجعل كل شيء ممكنًا.

الأرقام لا تكذب؛ فقد قفز مؤشر يضم عشر شركات أوروبية عملاقة في مجالات مثل مراكز البيانات والبنية التحتية بنسبة 23% هذا العام. هذا الأداء لم يتجاوز فقط مؤشر “ستوكس يوروب 600″، بل تفوق أيضًا على مؤشر “ناسداك 100” الأمريكي، مما يرسل إشارة واضحة للمستثمرين بأن الذهب الحقيقي قد يكمن في “المعاول والمجارف” وليس في البحث عن الذهب نفسه.

الكهرباء.. وقود الثورة الجديدة

تتصدر شركات الكهرباء المشهد، فنماذج الذكاء الاصطناعي شرهة للطاقة بشكل لا يصدق. في هذا السياق، تبرز شركة مثل “سيمنز إنرجي” (Siemens Energy) التي ارتفعت أسهمها بنسبة 111% هذا العام. تقول هيلين جويل، كبيرة مسؤولي الاستثمار في “بلاك روك”: “البنية التحتية لشبكات الكهرباء، واستقرارها، وكفاءتها هي جوهر قصة الذكاء الاصطناعي في أوروبا، أكثر من ارتباطها بالبرمجيات”.

هذا التحول في الاهتمام يجعل من الشركات القادرة على توليد ونقل الكهرباء بكفاءة أبطال المرحلة القادمة. ورغم المكاسب الهائلة، لا يزال سهم “سيمنز إنرجي” يتداول بخصم كبير مقارنة بنظرائه في الولايات المتحدة، مما يراهن عليه مديرو الصناديق الكبرى مثل “ناينتي وان” كفرصة استثمارية واعدة لم تُستغل بالكامل بعد.

ما وراء الكابلات.. فرص في النقل والتوصيل

لا تكتمل الصورة بدون الحديث عن نقل هذه الطاقة الهائلة وتوصيلها. هنا، تدخل شركات مثل “بريسميان” (Prysmian) الإيطالية لصناعة الكابلات، و”لوغراند” (Legrand) الفرنسية التي تزود مراكز البيانات بالمقابس والخوادم وتقنيات التبريد. هذه الشركات التي كانت تُعتبر تقليدية، أصبحت اليوم في قلب الحدث التكنولوجي.

أشارت ألكسندرا سينتوك، من “جيه بي مورغان أسيت مانجمنت”، إلى أن الصناعات الأوروبية تحقق بالفعل استفادة ملموسة من طفرة نمو مراكز البيانات. فشركة “لوغراند”، على سبيل المثال، حققت 20% من إيراداتها من هذا القطاع العام الماضي، مما دفع سعر سهمها للقفز بنسبة 52%، وهو ما يوضح أن الاستثمار في أسهم أوروبية من هذا النوع هو استثمار مباشر في نمو الذكاء الاصطناعي.

البعد الجيوسياسي ومخاطر الطريق

يمتد التأثير أيضًا إلى قطاع الاتصالات، حيث تمتلك شركات مثل “أورنج” (Orange) و”نوكيا” (Nokia) البنية التحتية والخبرة اللازمة لدعم التوسع في مراكز البيانات. ويضيف هذا التوجه بعدًا جيوسياسيًا، حيث يفضل الأوروبيون الاعتماد على شركات محلية في بناء هذه البنية الحساسة، بعيدًا عن المنافسين في أمريكا أو الصين.

لكن الطريق ليس مفروشًا بالورود، فهناك مخاطر تتمثل في ضعف السيولة واحتمالية أن تشكل اللوائح الصارمة المتعلقة بالذكاء الاصطناعي عائقًا. ومع ذلك، يرى الخبراء أن سباق الذكاء الاصطناعي أشبه بماراثون طويل وليس سباق سرعة، مما يعني أن العوائد على هذه الاستثمارات في البنية التحتية ستزداد تدريجيًا، لتثبت أن أوروبا قادرة على الفوز بالرهان بطريقتها الخاصة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *