الاكتئاب الموسمي ليس مجرد حزن عابر.. خبير يكشف خبايا اضطراب الشتاء الصامت

مع قدوم الشتاء وانسدال ستائره الباردة، يشعر الكثيرون بثقلٍ في الروح وخمولٍ في الجسد، حالة قد يصفها البعض بـ”كآبة الشتاء”. لكن الدكتور محمد المهدي، أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر، يضع النقاط على الحروف، مؤكدًا أن هذا الشعور قد يتجاوز الحزن العابر ليصبح اضطرابًا حقيقيًا يُعرف بـالاكتئاب الموسمي.
شبح الشتاء.. حين يتحول البرد إلى اكتئاب
في كواليس البيوت المغلقة ومع غياب شمس الشتاء الدافئة، يجد الاكتئاب الموسمي أرضًا خصبة ليصيب نحو 5% من الناس. يوضح الدكتور المهدي أن قلة الحركة، وغياب التجمعات العائلية، والأجواء التي تميل إلى السكون، كلها عوامل تفتح الباب أمام هذا الضيف الثقيل. ورغم ارتباطه الوثيق بالشتاء، إلا أن هذا الاضطراب قد يظهر بشكل مفاجئ في فصول أخرى كالربيع أو الصيف لدى بعض الحالات، مما يؤكد تعقيد الطبيعة البشرية وتأثرها بما حولها.
هذه الظاهرة ليست مجرد شعور عابر، بل لها جذور بيولوجية ترتبط بتأثر الساعة البيولوجية للجسم بانخفاض مستوى ضوء الشمس، مما يؤثر بدوره على مستويات هرموني السيروتونين والميلاتونين المسؤولين عن تنظيم المزاج والنوم. هذا التفسير العلمي يمنح معاناة الكثيرين بعدًا أعمق من مجرد “الدلع” أو ضعف الإرادة.
بين الحزن الطبيعي والمرض.. خيط رفيع
يضع أستاذ الطب النفسي حدًا فاصلًا وواضحًا بين الحزن، الذي هو جزء لا يتجزأ من التجربة الإنسانية، وبين الاكتئاب كمرض يتطلب التشخيص والتدخل. فالحزن له سبب واضح، أما الاكتئاب فيخيم على الروح دون مبرر أحيانًا، ويستمر لفترة طويلة، ويستند تشخيصه إلى معايير علمية دقيقة وردت في الدليل التشخيصي والإحصائي الخامس للاضطرابات النفسية، وهو ما يقطع الطريق على أي اجتهادات شخصية.
علامات الخطر التي تستدعي دق ناقوس الخطر
ليست كل كآبة شتوية هي اكتئاب، فالفيصل هو شدة الأعراض وتأثيرها على مسار الحياة اليومية. وخلال حديثه في برنامج “راحة نفسية” على قناة الناس، لخص الدكتور المهدي أعراض الاكتئاب الرئيسية التي يجب الانتباه إليها، والتي إذا اجتمع عدد منها وبشدة، تصبح زيارة المختص ضرورة لا رفاهية.
- حزن عميق ومستمر: شعور بالفراغ واليأس يسيطر على معظم ساعات اليوم.
- فقدان الشغف: انعدام الرغبة في ممارسة الهوايات والأنشطة التي كانت مصدرًا للمتعة سابقًا.
- اضطرابات جسدية: تغيير ملحوظ في الشهية (زيادة أو نقصان) واضطراب في نمط النوم (أرق أو نوم مفرط).
- إرهاق دائم: شعور بفقدان الطاقة والتعب من أقل مجهود.
- ضبابية التفكير: صعوبة بالغة في التركيز واتخاذ القرارات.
- أفكار سوداوية: الشعور بالذنب وجلد الذات، وقد تتطور إلى أفكار حول الموت أو الانتحار.
وشدد المهدي على أن هذه الأعراض لا تُشخص كـ اضطراب المزاج الاكتئابي إلا إذا وصلت إلى مرحلة تعطل حياة الشخص العملية أو الدراسية أو الاجتماعية. إن طلب المساعدة في هذه الحالة ليس ضعفًا، بل هو خطوة شجاعة نحو استعادة نور الحياة الذي قد تطفئه غيوم الاكتئاب الموسمية.









