الأخبار

قفزة تاريخية في ميزانية وزارة التضامن الاجتماعي: 768 مليون جنيه ترسم ملامح جديدة للحماية الاجتماعية في مصر

في خطوة تعكس تحولًا عميقًا في فلسفة الدولة تجاه مواطنيها الأكثر احتياجًا، كشفت الحكومة عن زيادة ضخمة في الخطة الاستثمارية لوزارة التضامن الاجتماعي للعام المالي القادم. هذا التوجه لا يقتصر على مجرد زيادة في الأرقام، بل يرسم مسارًا جديدًا ينتقل بالمواطن من دائرة الرعاية إلى فضاء التمكين الاقتصادي الفعّال، ليصبح شريكًا أصيلًا في مسيرة التنمية.

جاء ذلك خلال لقاء جمع بين الدكتورة رانيا المشاط، وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية، والدكتورة مايا مرسي، وزيرة التضامن الاجتماعي، وهو اجتماع لم يكن مجرد لقاء بروتوكولي، بل ورشة عمل مكثفة لوضع اللمسات الأخيرة على مستقبل شبكة الأمان الاجتماعي في البلاد، ودمجها ضمن رؤية أشمل وأكثر طموحًا تُعرف بـ”السردية الوطنية للتنمية الاقتصادية”.

تفاصيل الخطة.. أرقام تتحدث عن نفسها

الأرقام التي نوقشت تحمل دلالات واضحة؛ حيث قفزت الاستثمارات المعتمدة لـ وزارة التضامن الاجتماعي للعام المالي 2025-2026 إلى 768.5 مليون جنيه. هذا الرقم يمثل زيادة هائلة بنسبة 75.5% مقارنة بميزانية العام الحالي البالغة 455 مليون جنيه، وهي زيادة لا تعني فقط ضخ المزيد من الأموال، بل تعكس إعادة ترتيب للأولويات الوطنية.

وأوضحت الدكتورة رانيا المشاط أن هذه الخطة الجديدة لا تعمل في فراغ، بل تستند إلى توجهات واضحة تضمن كفاءة الإنفاق. الأولوية القصوى ستكون للمشروعات التي شارفت على الانتهاء، خاصة تلك التي تجاوزت نسبة تنفيذها 70%، لضمان دخولها حيز الخدمة سريعًا وجني ثمارها. كما سيتم التركيز على المشروعات الجديدة التي تتماشى مع توجيهات القيادة السياسية، والمرحلة الثانية من مبادرة “حياة كريمة”، التي غيرت وجه الريف المصري.

السردية الوطنية.. بوصلة التنمية الجديدة

اللقاء لم يركز على الميزانيات فحسب، بل تعمق في الإطار الفكري الذي يحكمها. وهنا يبرز دور “السردية الوطنية للتنمية الاقتصادية”، وهي مبادرة أطلقتها وزارة التخطيط لتكون البوصلة التي توحد كل الجهود التنموية، وتضمن تكامل برنامج الحكومة مع الأهداف طويلة الأمد لـ رؤية مصر 2030. هذه السردية ليست وثيقة جامدة، بل هي حوار مجتمعي مفتوح، سيتم إثراؤه بمخرجات المؤتمر العالمي للسكان والصحة والتنمية، وبإسهامات وزارة التضامن نفسها، لتعكس بحق نبض الشارع المصري.

هذا التكامل يهدف إلى تحقيق أقصى استفادة من كل جنيه يتم إنفاقه، وضمان أن برامج الحماية الاجتماعية لا تقتصر على تقديم الدعم، بل تساهم بفاعلية في رفع كفاءة رأس المال البشري، وتحريك عجلة الاقتصاد من خلال زيادة الإنتاجية والمشاركة في سوق العمل.

من الرعاية إلى الإنتاج.. فلسفة التمكين الاقتصادي

من جانبها، قدمت الدكتورة مايا مرسي رؤية وزارتها لهذا التحول الاستراتيجي. وأكدت أن الهدف هو الانتقال من منظومة الحماية الاجتماعية التقليدية إلى نماذج أكثر استدامة، تحول المستفيدين من برامج الدعم النقدي مثل “تكافل وكرامة” إلى أفراد منتجين. هذا التحول لن يتم إلا عبر منظومة متكاملة للتمكين الاقتصادي توفر التمويل، والتدريب، والتأمين، وتفتح قنوات للتسويق.

وهنا يأتي الدور المحوري لصندوق دعم الصناعات الريفية والبيئية، الذي تسعى الوزارة لتحويله إلى منصة وطنية شاملة. الفكرة هي استثمار الميزات النسبية لكل منطقة ريفية، وربط المنتجين الصغار بالأسواق، وخلق مصادر دخل مستدامة للأسر المستهدفة، بدلًا من الاعتماد الكلي على الدعم النقدي.

إطار تشريعي داعم ورقمنة شاملة

هذه الرؤية الطموحة يدعمها إطار تشريعي قوي يتمثل في قانون الضمان الاجتماعي الجديد، الذي يهدف إلى مأسسة الدعم النقدي وتحويله من مجرد برنامج إلى حق ينظمه القانون، مما يضمن استدامته وحوكمته. القانون الجديد يؤسس لشبكة أمان اجتماعي أكثر مرونة وقدرة على مواجهة التحديات.

كما تلعب الرقمنة دورًا حاسمًا في هذه المنظومة، حيث أشارت الوزيرة إلى الجهود الكبيرة التي بُذلت للوصول إلى منظومة خدمات متطورة وشاملة، توفر بيانات دقيقة عن الأسر المستحقة. هذه البيانات لا تضمن فقط وصول الدعم لمستحقيه، بل تسمح بتكامل الخدمات بين مختلف الوزارات، وتقديم دعم مخصص لكل أسرة بناءً على احتياجاتها، سواء كانت دعمًا للمرأة المعيلة، أو لأفراد العمالة غير المنتظمة، أو خدمات صحية وتعليمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *