تكنولوجيا

ثورة الذكاء الاصطناعي: OpenAI تخطط لشبكة مراكز بيانات بتريليون دولار تبدأ من قلب تكساس

في خطوة تعكس الطموحات الهائلة التي تقود مستقبل التكنولوجيا، كشفت شركة OpenAI الستار عن رؤيتها المستقبلية لبناء إمبراطورية من مراكز البيانات السحابية. هذه الشبكة الضخمة، التي قد تصل تكلفتها إلى تريليون دولار، بدأت أولى فصولها في مشروع عملاق يقع على بعد 180 ميلًا غرب مدينة دالاس.

أبيلين: قلب المشروع النابض في صحراء تكساس

على أرض كانت مجرد براري قاحلة في ولاية تكساس، يجري الآن تشييد ما يوصف بأنه أكبر مجمع للحوسبة الفائقة المخصصة لـ الذكاء الاصطناعي في العالم. فبعد يوم واحد فقط من إعلانها عن صفقة تاريخية بقيمة 100 مليار دولار مع “إنفيديا”، أكدت OpenAI أن هذا المشروع ما هو إلا مجرد نقطة البداية، وأنها ستحتاج إلى قدرة حوسبية تفوق 13 ضعفًا لما يوفره هذا الموقع الأولي.

المشهد في الموقع، الذي يمتد على مساحة 1100 فدان، أشبه بخلية نحل لا تهدأ. يعمل هناك أكثر من 6 آلاف عامل، من كهربائيين وسباكين ولحامين، على مدار الساعة في ورديتين تمتد كل منهما لـ 10 ساعات، سبعة أيام في الأسبوع. لقد تحولت مساحات التربة الحمراء الشاسعة إلى ثمانية مبانٍ فائقة الحداثة لمراكز البيانات، توفر قدرة تشغيلية هائلة تقارب 900 ميجاوات، مع أبراج توربينات الغاز التي تلوح في الأفق لضمان إمدادات الطاقة الاحتياطية.

وخلال جولة صحفية نظمها مسؤولو شركة أوراكل وOpenAI، وصف أنوج ساهاران، أحد أعضاء فريق الحوسبة في الشركة، حجم التحول قائلًا: “لم يكن هنا أي شيء قبل عام واحد فقط”. كان هذا التصريح بمثابة شهادة على السرعة المذهلة التي يتقدم بها المشروع، حيث يتنقل العمال في عربات صغيرة هربًا من حرارة الصيف التي تتجاوز 100 درجة فهرنهايت.

تحديات الطاقة والبعد البيئي

إن هذا التوسع غير المسبوق في البنية التحتية يطرح تساؤلات جوهرية حول استهلاك الطاقة. فالطلب الهائل على الكهرباء لتشغيل وتبريد هذه المرافق العملاقة يضع ضغطًا هائلاً على شبكات الطاقة المحلية، ويثير مخاوف بشأن البصمة الكربونية لهذه الثورة التكنولوجية. بينما تركز الشركات على تأمين مصادر طاقة احتياطية، يظل التحول نحو مصادر الطاقة المتجددة لتغذية هذه المراكز تحديًا كبيرًا يجب مواجهته لضمان استدامة نمو الذكاء الاصطناعي.

طموحات تتجاوز الخيال: تريليون دولار للبنية التحتية

أوضح مسؤولو OpenAI أن موقع “أبيلين” ليس سوى البداية. فالطلب المتسارع على تطبيق ChatGPT، الذي يخدم أكثر من 700 مليون مستخدم أسبوعيًا، يتطلب قدرات حوسبية تتجاوز 20 جيجاوات. وبتقدير تكلفة تصل إلى 50 مليار دولار لكل جيجاوات، فإن الشركة تمهد الطريق لاستثمارات لا تقل عن تريليون دولار في بنيتها التحتية.

لكن الطموحات لا تتوقف عند هذا الحد، حيث أشار أحد المسؤولين إلى أن الطلب قد يقترب في النهاية من 100 جيجاوات، وهو ما يترجم إلى استثمارات بقيمة خمسة تريليونات دولار، وهو رقم يفوق الناتج المحلي الإجمالي لدول عظمى مثل اليابان أو ألمانيا. وعلق الرئيس التنفيذي سام ألتمان قائلًا: “أفترض، كما حدث في كثير من الثورات التكنولوجية الأخرى، أن التوصل إلى الصيغة المناسبة سيفتح المجال أمام قيمة هائلة تُقدم للمجتمع”.

شراكات استراتيجية لتوسيع النفوذ

لتحقيق هذه الرؤية، عقدت OpenAI شراكات استراتيجية مع عمالقة التكنولوجيا والاستثمار. حيث سيتم بناء خمسة مواقع جديدة في الولايات المتحدة، مضيفة ما يقرب من 7 جيجاوات من القدرة التشغيلية، وهو ما يكفي لتلبية احتياجات نحو 8 ملايين منزل. وتتوزع هذه المشاريع كالتالي:

  • بالشراكة مع أوراكل: سيتم بناء ثلاثة مواقع جديدة، أحدها بالقرب من أبيلين، وآخر شمال إل باسو في نيو مكسيكو، وثالث في الغرب الأوسط، لتوفير 5.5 جيجاوات.
  • بالشراكة مع سوفت بنك: سيتم تشييد موقعين أصغر في أوهايو وتكساس، بطاقة إجمالية تبلغ 1.5 جيجاوات خلال الـ 18 شهرًا القادمة.

حصون تكنولوجية شديدة الحراسة

عند الدخول إلى “المبنى 1″، أول مركز بيانات مكتمل في الموقع، يشعر الزائر وكأنه يصعد إلى طائرة نفاثة وسط ضجيج المراوح المستمر. تملأ صفوف لا نهائية من رفوف الخوادم المكان، كل منها يضم 72 شريحة من طراز رقائق إنفيديا GB200، التي تقدر تكلفة الواحدة منها بما يعادل ثمن سيارة “تسلا موديل 3”.

الإجراءات الأمنية في هذه المنشأة على أعلى مستوى. يُحظر تمامًا إدخال الأجهزة الإلكترونية، وتنطلق صفارات الإنذار إذا ظل باب قاعة الخوادم مفتوحًا لوقت طويل. وبناءً على طلب خاص من OpenAI، قامت شركة أوراكل بتركيب كاميرا على كل رف خوادم لمراقبة أي محاولة تجسس صناعي قد تنجح في اختراق هذا الحصن التكنولوجي.

وظائف واعدة ومخاوف محلية

على الرغم من أن هذه الطفرة في البنية التحتية تعد بتوفير مئات الآلاف من الوظائف وإنعاش قطاع التصنيع الأمريكي، إلا أن الواقع على الأرض أكثر تعقيدًا. فبينما توفر مرحلة البناء بالفعل آلاف الوظائف المؤقتة، فإن مراكز البيانات لا تحتاج بعد اكتمالها إلا لعدد محدود من العاملين الدائمين، حيث سيتم توفير حوالي 1700 وظيفة دائمة فقط في موقع أبيلين.

وقد أعرب ويلدون دبليو. هارت، رئيس بلدية أبيلين، عن وجود “مشاعر متباينة” لدى السكان تجاه المشروع، خاصة فيما يتعلق باستهلاكه الهائل للطاقة والمياه. ومع ذلك، رحب مسؤولو تكساس بالمشروع، مؤكدين انفتاحهم على التقدم التكنولوجي، حيث قال هارت: “نحن مدينة سكك حديدية… لدينا إرث غربي، لكننا منفتحون دائمًا على التقدم”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *