فن

يوروفيجن 2025: عندما تصمت الأغاني احتجاجًا على أنغام الحرب

انسحاب أربع دول أوروبية من مسابقة الأغنية الأوروبية يفتح نقاشًا عميقًا حول علاقة الفن بالسياسة والأخلاق في زمن الصراعات.

خشبة المسرح الأوروبي الكبير تبدو فارغة. الأضواء، التي اعتادت أن ترسم لوحات من البهجة والوحدة، تخفت الآن على وقع قرار تاريخي. مسابقة “يوروفيجن”، التي طالما تغنت بشعار “متحدون بالموسيقى”، تواجه اليوم أعمق انقساماتها، حيث لم تعد الموسيقى قادرة على عزل نفسها عن ضجيج العالم الخارجي.

ستارة تسقط على الوحدة

إسبانيا. هولندا. أيرلندا. سلوفينيا. لم تعد هذه مجرد أسماء دول على لوحة النتائج، بل أصبحت عناوين لبيانات انسحاب مدوية. قرار المقاطعة لم يأتِ من فراغ، بل هو تتويج لأشهر من الجدل الذي أحاط بمشاركة إسرائيل في ظل الحرب الدائرة في غزة. لقد تحولت المنصة الفنية إلى ساحة اختبار للضمير، حيث وجدت هيئات البث الوطنية نفسها أمام خيار صعب: إما المشاركة في احتفال فني يبدو منفصلاً عن الواقع، أو اتخاذ موقف أخلاقي يتردد صداه أبعد من أي أغنية.

صدى من دبلن وأمستردام

جاء صوت هيئة الإذاعة الهولندية “أفروتروس” حاسمًا، معلنًا أن المشاركة في ظل الظروف الراهنة “تتعارض مع القيم العامة الأساسية” التي تمثلها. لم يكن الأمر مجرد سياسة، بل مسألة هوية. وفي دبلن، وصفت شبكة “آر تي إي” الأيرلندية الموقف بكلمات أشد وقعًا، معتبرة أن مشاركة بلادها أصبحت “أمرًا غير مستساغ” أمام هول الخسائر البشرية والأزمة الإنسانية في غزة. هنا، يتجاوز الفن حدود الترفيه ليصبح مرآة للوجدان الإنساني، فكيف يمكن غناء قصص الحب والأمل بينما تُكتب فصول من الألم والموت؟ لقد وضع المنظمون، باتخاذهم قرارًا بتعديل القواعد بدلاً من التصويت على استبعاد إسرائيل، أنفسهم في مواجهة مباشرة مع جزء من ضمير أوروبا الفني.

“أحيانًا، يكون الصمت هو أعلى أشكال التعبير.”

قرار مدريد الهادئ

لم تكن إسبانيا بحاجة إلى انتظار اللحظة الأخيرة. كان قرار هيئة الإذاعة والتلفزيون الإسبانية RTVE قد نضج بهدوء منذ سبتمبر الماضي، حين أقر مجلس إدارتها بأن مدريد ستغيب عن المسابقة إذا بقيت إسرائيل جزءًا منها. هذا الموقف الاستباقي يروي قصة قناعة راسخة، بعيدًا عن ردود الفعل العابرة، ويؤكد أن الانقسام لم يكن وليد اللحظة، بل هو شرخ عميق كان يتسع بصمت تحت السطح البراق للمهرجان. وانضمت ليوبليانا إلى الجوقة المنسحبة، مؤكدة عبر تلفزيونها الرسمي أن سلوفينيا لن تكون حاضرة هي الأخرى، ليتسع الفراغ على المسرح المنتظر.

الآن، ومع ترقب مواقف دول أخرى مثل آيسلندا، يبقى السؤال معلقًا في فضاء الفن الأوروبي. لم يعد يوروفيجن مجرد مسابقة لاختيار أفضل أغنية، بل أصبح استفتاءً على دور الفن في عالم مضطرب. الأغاني التي لن تُسمع العام المقبل من هذه الدول ستترك وراءها صمتًا بليغًا، صمتًا قد يكون أقوى من أي لحن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *