فن

وحيد حامد: ضمير السينما المصرية الذي لم يغِب

في ذكرى رحيله، نستعرض مسيرة كاتب الأجيال الذي واجه الحقيقة بقلمه.

في الثاني من يناير، تحل ذكرى رحيل الكاتب الكبير وحيد حامد، الذي لم يكن مجرد اسم عابر في تاريخ الفن المصري، بل كان ضميرًا حيًا للوطن. استخدم قلمه للمواجهة وكشف تناقضات المجتمع بصدق وجرأة نادرة. رحل جسده في عام 2021، لكن كلماته وأفكاره ظلت حية، تطرق وعي الأجيال، مؤكدة أن المبدعين الحقيقيين لا يغيبون.

وُلد وحيد حامد عام 1944 في قرية بني قريش بمركز منيا القمح بمحافظة الشرقية. انتقل إلى القاهرة عام 1963 لدراسة الآداب قسم اجتماع، وهناك انكب على تثقيف نفسه ذاتيًا، فقضى سنوات طويلة في مطالعة الكتب الأدبية والفكرية والثقافية، وزيارة المكتبات ودور السينما والمسارح، متأثرًا بشكسبير، بهدف أن يصبح كاتبًا متميزًا للقصة القصيرة والمسرح.

بدأ حامد مسيرته بالكتابة في العديد من الصحف والمطبوعات، حتى صدرت له أول مجموعة قصصية عن هيئة الكتاب بعنوان «القمر يقتل عاشقه». نصحه الكاتب يوسف إدريس، الذي اعتبره حامد مع نجيب محفوظ وعبد الرحمن الشرقاوي أساتذته، بالاتجاه إلى الكتابة الدرامية، وهو ما فعله وحقق فيه نجاحًا باهرًا.

تزوج وحيد حامد من الإعلامية زينب سويدان، التي كانت شريكًا فنيًا وداعمًا له، وقدمت له النصح في كتاباته. أنجب منها المخرج مروان حامد، الذي شجعته والدته على بدء مسيرته في الإخراج، ليصبح أحد أبرز المخرجين في الساحة الفنية.

امتازت كتابات وحيد حامد بواقعية قاسية، لا تعرف التجميل أو التزويق. كانت شخصياته بشرًا من لحم ودم، متورطين، خائفين، ومتناقضين، بعيدًا عن المثالية أو الشر المطلق. آمن حامد بأن فهم الشر أهم من إدانته، وأن كشف الدوافع أصدق من رفع الشعارات. حتى في أعماله الأكثر صدامية، لم يقع في فخ المباشرة، بل استخدم السخرية والبناء الدرامي المحكم والحوار الذكي لإيصال رسائله دون خطابة.

بدأ حامد مسيرته التلفزيونية بمسلسل «أحلام الفتى الطائر» عام 1978، محققًا نجاحًا كبيرًا. شكل هذا العمل بداية شراكة طويلة ومثمرة مع النجم عادل إمام، أثمرت عن عدد كبير من الأعمال السينمائية التي تُعد علامات فارقة في تاريخ السينما المصرية، منها: “انتخبوا الدكتور سليمان عبد الباسط”، «الهلفوت»، «طيور الظلام»، و«النوم في العسل».

كما كتب للمخرج عاطف الطيب أفلامًا مهمة مثل «التخشيبة»، «البريء»، و«الدنيا على جناح يمامة». وتضمنت أعماله السينمائية «احكي يا شهرزاد» مع المخرج الكبير يسري نصر الله، وتعاون خلال مسيرته مع نجمات بارزات مثل سعاد حسني وميرفت أمين ومديحة كامل.

عُرف وحيد حامد بمواقفه الجريئة وأعماله الاجتماعية ذات الأبعاد السياسية والاجتماعية، التي ناقشت قضايا المجتمع المصري بأسلوب فني مؤثر. من أبرز هذه الأعمال أفلام: «الإرهاب والكباب»، «طيور الظلام»، و«البريء»، بالإضافة إلى مسلسلات درامية مثل «الجماعة» و«العائلة». هذا التناول الجريء للقضايا جعله يتعرض لتهديدات بالقتل.

تميزت أعماله بتناول القضايا الاجتماعية بشكل مؤثر، وإظهار الصراع بين الخير والفساد بأسلوب فني مشوق، مما رسخه ككاتب صاحب قضية وموهبة نادرة في السينما المصرية.

في عام 2006، تعاون وحيد حامد مع ابنه المخرج مروان حامد في فيلم «عمارة يعقوبيان»، الذي جمع نخبة من نجوم السينما المصرية، ليقدموا عملًا فنيًا آخر يضاف إلى رصيده الحافل.

حصد وحيد حامد العديد من الجوائز تقديرًا لمسيرته الطويلة وإسهاماته الفنية، منها جائزة الدولة التقديرية عام 2008، وجائزة النيل في الفنون عام 2012، وجائزة نجيب محفوظ عن مجمل أعماله التلفزيونية عام 2010، بالإضافة إلى جائزة الهرم الذهبي من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي عام 2020.

إلى جانب كتاباته الدرامية، كتب حامد مقالات سياسية واجتماعية في صحف مصرية عديدة، وحظي بجمهور واسع من القراء. كما أسهم في صقل أجيال من الكتاب والمخرجين من خلال ورش السيناريو التي قدمها بالمعهد العالي للسينما لمدة أربع سنوات.

ظل وحيد حامد ملتزمًا طوال حياته بالكتابة الهادفة، محافظًا على رسالته الفنية والاجتماعية، ومعبرًا عن هموم المواطن البسيط وقضايا الوطن. ترك إرثًا فنيًا غنيًا من الأفلام والمسلسلات التي ستظل خالدة في ذاكرة المشاهدين وتاريخ الفن المصري، قبل أن يرحل في الثاني من يناير 2021 عن عمر ناهز 76 عامًا، بعد رحلة صراع طويل مع المرض.

مقالات ذات صلة