فن

وثائقي “Cover-up” على نتفليكس: سيمور هيرش.. أيقونة الصحافة الاستقصائية في عصر يتلاشى

فيلم "Cover-up" يسلط الضوء على مسيرة الصحفي سيمور هيرش ويكشف فضائح أمريكية كبرى، متناولًا تراجع الصحافة الحقيقية.

كاتبة ومراسلة إخبارية في منصة النيل نيوز، متخصصة في قسم الفن.

يُعرض حالياً على منصة نتفليكس الفيلم الوثائقي “Cover-up”، الذي يستعرض قصصًا وحوادث قد تبدو مألوفة لمن تابع أعمال الصحفي الاستقصائي البارز سيمور هيرش. ورغم أن الكثير من هذه الوقائع نُشر عنها سابقًا، إلا أن الفيلم يقدمها بطريقة تجعلها تبدو ككشوف جديدة ومعلومات بالغة الخطورة، مثيرة للدهشة والغضب، وربما الغثيان أحيانًا.

يقدم الفيلم صورة متعمقة لسيمور هيرش، الصحفي المخضرم البالغ من العمر 88 عامًا، الذي أمضى أكثر من ستة عقود في عالم التحقيقات الاستقصائية. عمل هيرش لصالح صحف ومجلات مرموقة مثل “نيويورك تايمز” و”نيويوركر”، وكان وراء كشف قصص هزت الولايات المتحدة والعالم. امتدت مسيرته من تغطية حرب فيتنام في الستينيات وصولًا إلى الأحداث الراهنة في غزة، مرورًا بفضيحة ووترجيت، وكشف تورط المخابرات الأمريكية في تجارة المخدرات بجنوب شرق آسيا، وتجسسها على المواطنين، إضافة إلى فضيحة تعذيب المعتقلين في سجن أبو غريب.

يتناول الفيلم كذلك حقبة زمنية مضت، حيث كان لاسم سيمور هيرش وزن وتأثير كبيرين، وحيث تمتعت الصحافة بمكانة مرموقة. ساهم صحفيون حقيقيون أمثال هيرش في الكشف عن الحقائق، وفضح الأكاذيب، بل وإسقاط حكومات ورؤساء، كما حدث مع الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون. هذه الحقبة تتلاشى اليوم مع تراجع الصحافة الورقية والمستقلة، وصعود صحافة وسائل التواصل الاجتماعي والترند، وتوشك أن تنتهي تمامًا مع بزوغ عصر الذكاء الاصطناعي. وفي مقدمة مذكراته الصادرة عام 2019 بعنوان “مراسل: مذكرات” (A Reporter: Memoir)، يعبر هيرش عن أسفه قائلًا: “من المؤلم أن أفكر في أنني لم أكن لأحقق ما حققته لو أنني كنت أعمل في مناخ صحفي تسوده الفوضى ويفتقر إلى النظام، كما نرى في صحافة اليوم”.

يعد سيمور هيرش من أبرز الأسماء التي صنعت مجد العصر الذهبي للصحافة الاستقصائية، وتجاوزت شهرته حدود الولايات المتحدة. تُرجمت كتبه إلى معظم اللغات العالمية، بما في ذلك العربية. من أبرز أعماله التي صدرت بترجمات عربية كتاب “الخيار شمشون”، الذي كشف فيه أسرار برنامج التسلح النووي الإسرائيلي وتواطؤ الولايات المتحدة معه، بالإضافة إلى كتابه عن “قتل بن لادن والتدخل في سوريا” وغيرهما من الأعمال الهامة.

شخصية لا تلين

هو الصحفي الذي وجه إليه الرئيس ريتشارد نيكسون شتائم نابية، وحاول وزير الخارجية هنري كيسنجر استمالته دون جدوى. كان هيرش مكروهًا من جميع الرؤساء الأمريكيين الذين تعاقبوا على الحكم، فقد تصدى لفضحهم جميعًا، بدءًا من كينيدي وصولًا إلى ترامب، مرورًا ببوش الأب والابن وكلينتون وأوباما، دون تمييز بين جمهوري وديمقراطي، أو بين من وصفهم بـ”الأحمق المكشوف” و”الذكي الذي يجيد خداع جمهوره”.

على مدار 118 دقيقة، يركز فيلم “Cover-up” بشكل أساسي على استعراض مضامين تحقيقات سيمور هيرش الاستقصائية. ويتخلل ذلك إشارات موجزة إلى حياته الشخصية، وكيف تشكلت شخصيته وأخلاقه المهنية، والطريقة التي شق بها طريقه في عالم الصحافة رغم الصعوبات والضغوط الهائلة التي واجهها.

يستند الفيلم إلى كم هائل من المواد المصورة، تشمل وثائق ورقية، ومقاطع فيديو، وصور فوتوغرافية، ليأخذ المشاهد في رحلة زمنية طويلة. يلعب المونتاج دورًا محوريًا في بناء الفيلم وتحديد إيقاعه، حيث يتقن التباطؤ والتسريع حسب الحاجة. كما يتضمن الفيلم شهادة هيرش نفسه، الذي يظهر بكامل لياقته العقلية رغم تقدمه في السن، ويتمتع بكاريزما استثنائية. يصور الفيلم هيرش كشخص يفيض صدقًا وتواضعًا وثقة بمهنته، حتى في لحظات غضبه وتهديده بوقف التصوير، أو اعترافه بالأخطاء المهنية التي ارتكبها أحيانًا.

على الرغم من الهدوء وإنكار الذات الذي يبدو عليه سيمور هيرش، يستعين الفيلم بشهادات بعض زملائه الذين يكملون صورته كرجل ذي عزيمة فولاذية. يروون عن عصبيته وانفجاراته ومشاداته العنيفة مع رؤسائه أو المسؤولين، وذلك دفاعًا عن عمله وإصرارًا على المضي قدمًا دون تنازل أو رضوخ للضغوط.

أمريكا: سجل الجرائم

يستهل الفيلم أحداثه بواقعة قرية ماي لاي في فيتنام، والتي وقعت في 16 مارس 1968. شهدت هذه المذبحة قيام نحو 100 جندي أمريكي بارتكاب فظائع بحق المدنيين من نساء وأطفال ومسنين، مما أسفر عن مقتل أكثر من 400 شخص، ولم تسلم حتى الحيوانات والنباتات من التدمير.

يؤكد هيرش أن هذه الواقعة كانت واحدة من مذابح عديدة لم تُكشف. ومع ذلك، أحدث الكشف عن أحداث ماي لاي صدمة هائلة في أوساط الشعب الأمريكي، وساهم في تحول الرأي العام ضد الحرب في فيتنام. ربما أسهم ذلك أيضًا في تسليط الضوء على الماضي الاستعماري والوحشي للأمريكيين، والمذابح التي ارتكبوها ضد السكان الأصليين، وتجارة العبيد. وقد عزز ذلك من اشتعال حركات الاحتجاج ضد نظام الفصل العنصري الذي استهدف السود والملونين. كان هيرش أيضًا من المقربين للزعيم مارتن لوثر كينج، الذي اغتيل على يد المخابرات الأمريكية.

من واقعة ماي لاي، ينتقل الفيلم، في تسلسل فصولي، إلى استعراض انفرادات وكشوف سيمور هيرش الأخرى. يدعم هيرش رواياته بآلاف الوثائق التي لا يزال يحتفظ بها، والتي تشكل كنزًا تاريخيًا. يضاف إلى ذلك وثائق ومواد حصل عليها فريق الفيلم، من بينها تسجيلات تُبث لأول مرة لرؤساء ومسؤولين سياسيين وعسكريين، لتكتمل الصورة الفضائحية وتكشف عن ردود أفعالهم العنيفة تجاه ما كان ينشره هيرش.

جانب إنساني

لا يقتصر الفيلم على تمجيد هيرش، بل يتعمق في مساءلته عن تفاصيل عمله ومدى صدق موضوعاته ومصادره. ورغم العصبية ورد الفعل المنزعج الذي يبديه أحيانًا تجاه هذه الأسئلة، خاصة تلك التي تهدد بكشف مصادره، إلا أنه يعترف بالأخطاء التي ارتكبها. من هذه الأخطاء نشره لخطاب مارلين مونرو المزور في كتابه عن جون كينيدي، مما دفعه لإصدار طبعة ثانية منقحة بعد إزالة الخطاب ومواد أخرى. كما يقر بخداعه في الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد ودفاعه عنه، قبل أن تتضح حقيقة كذبه.

يبرع الفيلم في رسم صورة إنسانية لسيمور هيرش، حيث يكشف عن جوانب من حياته الشخصية. ولد هيرش لأبوين يهوديين مهاجرين نجيا من الهولوكوست، وعانى في طفولته وشبابه من الفقر والتنمر. كما يتناول الفيلم تأثير ماضي والديه عليه وعلى إخوته، وفترات الإحباط واليأس التي مر بها أحيانًا نتيجة الضغوط والمخاطر التي تعرض لها بسبب مهنته، مما جعله شديد الحساسية تجاه الانتقاد أو أي تدخل في حياته.

الرؤية الإخراجية

يقف وراء هذا الفيلم الوثائقي المتقن، الذي يُتوقع أن يكون منافسًا قويًا في جوائز الأوسكار وموسم الجوائز الحالي، المخرجة لورا بويتراس. تُعرف بويتراس بأنها صانعة أفلام ومناضلة لا تلين في مجالها، على غرار سيمور هيرش. فازت بجائزة الأوسكار عن فيلمها “Citizenfour” عام 2014، الذي تناول حياة وأعمال إدوارد سنودن، صاحب تسريبات “ويكيليكس” الشهيرة. كما حصدت جائزة الأسد الذهبي في مهرجان البندقية عام 2022 عن فيلمها “All the Beauty and the Bloodshed”، الذي يسلط الضوء على الفنانة والناشطة نان جولدن، التي فضحت تورط شركات أدوية كبرى في إنتاج عقاقير مخدرة تسبب الإدمان. ولها أعمال أخرى بارزة، منها فيلمها الهام عن العراق “My Country My Country” عام 2004، وفيلمها “The Oath” عن مقاتلي القاعدة، والذي تعرضت بسببه لملاحقات ومضايقات من الأجهزة الأمنية الأمريكية لسنوات طويلة، انتهت برفعها دعوى قضائية ضد هذه الملاحقات غير القانونية.

في فيلم “Cover-up”، تتعاون بويتراس مع صانع أفلام آخر هو مارك أوبنهاوس، الذي كان يعمل سابقًا مع سيمور هيرش على إنجاز فيلم آخر. جاء هذا التعاون بناءً على طلب هيرش نفسه.

يذكر الفيلم في بدايته أن هيرش استغرق عشرين عامًا للموافقة على أن تصنع لورا بويتراس فيلمًا عنه. لم يكن السبب وراء ذلك خجله من الأضواء فحسب، بل أيضًا حساسيته المفرطة وعدم ثقته بالآخرين.

لحسن الحظ، وافق هيرش أخيرًا، ليحظى العالم بهذا الفيلم الهام الذي يأتي في توقيت مثالي، وسط ما وصفه الفيلم بـ”بحر الجرائم والأكاذيب” التي ترتكبها إدارة ترامب بحق الشعوب.

مقالات ذات صلة