واشنطن وكانبيرا.. تحالف استراتيجي جديد في سباق المعادن الحيوية
اتفاق أميركي أسترالي بمليارات الدولارات لكسر الهيمنة الصينية على عناصر الأرض النادرة وسلاسل التوريد العالمية

في خطوة استراتيجية تهدف إلى إعادة رسم خريطة الموارد العالمية، وقّعت الولايات المتحدة وأستراليا اتفاقاً جديداً لتعزيز الوصول إلى المعادن الحيوية وعناصر الأرض النادرة. يمثل هذا التحرك تحولاً محورياً في مساعي واشنطن لكسر هيمنة بكين على سلاسل التوريد الصينية الحساسة.
اتفاق بمليارات الدولارات
أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، خلال لقائه رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي في البيت الأبيض، عن توقيع الاتفاق الذي جاء نتاج مفاوضات استمرت قرابة خمسة أشهر. وتعهد ترمب بأنه خلال عام واحد، ستمتلك البلدان “كماً هائلاً من المعادن الحيوية وعناصر الأرض النادرة”، مؤكداً على أهمية هذه الخطوة لتأمين الصناعات الأميركية.
من جهته، وصف ألبانيزي الاتفاق بأنه “نقلة نوعية” في التعاون الاقتصادي والدفاعي، مشيراً إلى أنه جزء من مشروع ضخم بقيمة 8.5 مليار دولار ضمن “خطة جاهزة للتنفيذ”. وبموجب الاتفاق الأميركي الأسترالي، ستبدأ واشنطن وكانبيرا بتخصيص مليار دولار لكل منهما خلال الأشهر الستة المقبلة، لتمويل مشاريع أولية تشمل معالجة عناصر الأرض النادرة داخل الأراضي الأسترالية، بالإضافة إلى مشروع مشترك مع اليابان.
لماذا الآن؟
يأتي هذا التحالف في توقيت بالغ الحساسية، حيث فرضت الصين مؤخراً قيوداً غير مسبوقة على صادراتها من عناصر الأرض النادرة، مما أحدث هزة في الاقتصاد العالمي وكشف عن مدى هشاشة الاعتماد على مصدر واحد. وقد دفعت هذه الخطوة الولايات المتحدة وحلفاءها، ومن بينهم أستراليا، إلى البحث عن بدائل عاجلة، حيث جرت محادثات حول “رد جماعي محتمل” لتأمين هذه الموارد الاستراتيجية.
تراهن واشنطن على كانبيرا لكونها تحتل المرتبة الرابعة عالمياً في احتياطيات عناصر الأرض النادرة، وتسعى لترسيخ نفسها كمورد بديل موثوق. وتبرز في هذا السياق شركة “لايناس رير إيرثس” الأسترالية، التي تُعد المنتج الوحيد الكبير خارج الصين لهذه المواد الحيوية، والتي ارتفعت أسهمها بأكثر من 150% خلال العام الماضي، مما يعكس ثقة المستثمرين في هذا التعاون الجديد.
ملف “أوكوس” على الطاولة
لم تقتصر المباحثات على الاستثمار في التعدين، بل امتدت لتشمل ملفات دفاعية حساسة. وأكد ترمب أن المحادثات تناولت “التجارة، والغواصات، والعديد من المعدات العسكرية الأخرى”. وفي هذا الإطار، حث الرئيس الأميركي أستراليا على رفع إنفاقها الدفاعي إلى 3.5% من ناتجها المحلي الإجمالي، وهو مطلب لم تستجب له كانبيرا بعد.
يظل ملف شراكة أوكوس الدفاعية هو الأبرز، والذي يتضمن شراء أستراليا ما يصل إلى 5 غواصات نووية أميركية من طراز “فرجينيا”. ورغم أن إدارة ترمب الحالية تراجع الاتفاق الذي وُقّع في عهد إدارة بايدن السابقة، إلا أن ترمب طمأن ألبانيزي بنيته المضي قدماً في الصفقة، قائلاً: “نحن نمضي في ذلك… أعتقد أن الأمور تتقدم بسرعة وبشكل جيد جداً”.
تحدي الرسوم الجمركية والعلاقة مع بكين
على الرغم من عمق الشراكة الاستراتيجية، لا تزال هناك نقاط خلاف تجارية. فقد أشار ترمب إلى أنه من غير المرجح منح أستراليا إعفاءات من الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارته، معتبراً أن الرسوم التي تدفعها كانبيرا “منخفضة للغاية”.
يضع هذا الموقف رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي أمام معادلة معقدة، فهو يسعى لتوثيق التحالف الأمني والاقتصادي مع واشنطن لمواجهة الهيمنة الصينية، وفي الوقت نفسه، يحاول الحفاظ على علاقات اقتصادية مستقرة مع الصين، التي تظل الشريك التجاري الأكبر لبلاده، وهو ما يفسر زيارته الأخيرة إلى بكين.









